ه - والقول بعدم قبول خبر الآحاد في العقائد يستلزم ردّ السنة لندرة المتواتر، ولأن (كلّ حكم شرعي عملي يقترن به عقيدة ولا بد، ترجع إلى الإيمان بأمر غيبي لا يعلمه إلا الله تعالى، ولولا أنه أخبرنا به في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم لما وجب التصديق به والعمل به. ولذلك لم يجز لأحد أن يحرم أو يحلل بدون حجة من كتاب أو سنة، قال الله تعالى: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ"] سورة النحل: 116 [، فأفادت هذه الآية الكريمة أن التحريم والتحليل بدون إذن منه كذب على اللّه تعالى وافتراء عليه، فإذا كنا متفقين على جواز التحليل والتحريم بحديث الآحاد، وأننا به ننجوا من القول على الله فكذلك يجوز إيجاب العقيدة بحديث الآحاد، ولا فرق، ومن ادعى الفرق فعليه البرهان من كتاب الله وسنة رسوله."
ولأن كثيرًا من الأحاديث العملية يتضمن الاعتقادية. فمن ذلك ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (( قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا تشهد أحدكم، فليستعذ باللّه من أربع يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال ) )رواه البخاري ومسلم.
ومنها ما أخرجه البخاري عن ابن عباس (رضي الله عنهما) أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذًا إلى اليمن فقال: (( ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يومٍ وليلةٍ، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم ) )البخاري ومسلم، إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي تضمنت عقائد وأحكامًا فهل ترى أن نردها ولا نعمل بها مطلقًا لكونها أحاديث الآحاد تضمنت عقائد، أم نعمل بها في ا لأحكام دون العقائد من غير دليل يدل على ذلك، وهذا ما يأباه العقل، أم نعمل بها في تضمنته من عقائد وأحكام، وهذا هو الحقّ الذي قام عليه دليل. [1]
(1) خبر الواحد وحجيته لأحمد الشنقيطي ص 215