وقد عرف الولاة الإخْشيديُّون قدْر مصر ومنزلتها حتى بلغ الأمر أنَّ كافورًا الإخْشيدي أمَر عمر بن محمد بن يوسف الكندي المؤرِّخ المصري بأنْ يُؤلِّف كتابًا يُبيِّن فيه فضائل مصر، وما خصَّها الله - تعالى - من الفضل والخيرات على كثيرٍ من البلدان [1] .
وقد رُوِي أنَّ كافورًا أمَر بعشرين ألف دينار لتُوزَّع على فُقَهاء الشافعية عندما سمع أنَّ الخليفة عبدالرحمن الناصر الأندلسي أرسل عشرة آلاف دينار لتُفرَّق على فُقَهاء المالكية [2] ؛ ولذلك فقد ظهرت نهضة علميَّة وأدبيَّة في عهده، ونبغ في مصر - في عهده - كثيرٌ من الفُقَهاء والأدباء والمؤرِّخين، من أمثال: أبي بكر بن الحداد، وتلميذه سيبويه المصري، وأبي عمر الكندي، والحسن بن زولاق [3] ، فكان اجتماع هؤلاء بعضهم ببعض سببًا من أسباب تقدُّم الحركة الفكريَّة، ونمو الاجتماعات الأدبيَّة [4] .
وكما اهتمَّ الولاة الإخْشيديون بالعلماء والأدباء والفُقَهاء وشجَّعوهم، فقد اهتمَّ بهم أيضًا وزراء هذه الدولة، ومدوا لهم كثيرًا من الأيادي، فقد رُوِيَ أنَّ الوزير محمد بن علي بن مقاتل وزير الإخْشيد كان يُجرِي على سيبويه المصري خمسة دنانير كلَّ شهر [5] .
وقد توفَّر لهذا العصر الوزير جعفر بن الفُرات [6] المعروف باسم"ابن خزابة"، وكان يُغدِق على العلماء، ويجزل صلاتهم، وظلَّ يقودُ الحركة العلميَّة بمصر طوال وزارته، وقد
(1) الكندي، فضائل مصر، ص 419، ت د. إبراهيم أحمد العدوي، على محمد عمر، ط مكتبة وهبة مصر، دار الفكر، بيروت، (1391 هـ - 1971 م) ، انظر: د. فتحي عبدالمحسن محمد، الشعر في مصر في ظل الدولتين: الطولونية والإخشيدية، ص 33.
(2) د. حمدي عبدالمنعم، محاضرات في تاريخ مصر الإسلامية، ص 349، د. علي حسين الخربوطلي، مصر العربية الإسلامية، ص 142.
(3) الحسن بن زولاق، أخبار سيبويه المصري، ص 6، انظر: د. حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، ج 3، ص 155، د. علي حسن الخربوطلي، مصر العربية الإسلامية، ص 97.
(4) الحسن بن زولاق، أخبار سيبويه المصري، ص 6.
(5) الحسن بن زولاق، ص 35، انظر: د. حمدي عبدالمنعم، محاضرات في تاريخ مصر الإسلامية، ص 349.
(6) هو جعفر بن الفضل، بن جعفر، بن محمد، بن موسى، ابن الحسن، بن الفرات، المعروف"بابن خزابة"، وخزابة اسم أمهم، كانت جارية، وقد نزل مصر، وتقلَّد الوزارة لأميرها كافور، وكان أبوه وزير المقتدر بالله، وقد حدَّث أبو الفضل عن محمد بن إبراهيم الحضرمي، وطبقة من البغداديين، وعن محمد بن سعيد البرجمي الحمصي ... وروى عنه الدارقطني في كتاب المديح وغيره إلى أنْ قال: قرأت في كتاب محمد بن علي بن عمر بن الفياض، ولد أبو الفضل جعفر بن الفضل بن جعفر بن محمد بن الفراح في ذي الحجة، لثمانٍ خلون من سنة ثمانٍ وثلاثمائة، وذكر لي محمد بن علي الصولي أن وفاته كانت قبل تسعين وثلاثمائة، وقال لي عبدالله بن سبعين القيرواني: ليس كذلك، إنما توفي في سنة إحدى وتسعين، وهذا القول هو الصحيح، وذكر بعض المصريين أنَّه توفي يوم الأحد: لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة إحدى وتسعين، انظر: ياقوت الحموي، معجم الأدباء، ج 2، ص 376 - 383، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، (1411 هـ - 1991 م) .