فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 144

وقد دارت كثيرٌ من المناقشات في هذا المسجد، ومن ذلك أنَّ سيبويه المصري اجتمع فيه مع ابن الحداد، يتحاوَر معه، وفي ذلك يقول الحسن بن زولاق:".... فسمعته يتحدث، فاستحسن شيخنا حديثَه، فقال له: يا أبا بكر، أعيذك بالله، هذا والله كلامٌ حسن، فقال له سيبويه: بل أنت يا سيدي أعاذَك الله من كلِّ سوء، وقد فعل، إنَّ أفضل الكلام ما اعتدلت مبانيه، فعذبت معانيه، واستسلس على ألسُن ناطِقيه، ولم يستأذن على آذان سامِعيه، فقال شيخنا أبو بكر: لا يتكلَّم على الناس إلا فائق [1] أو مائق [2] [3] ."

وكان سيبويه ذاتَ يومٍ في المسجد الجامع يتكلَّم في القضاء والقدر، فقال له رجلٌ: فكيف أعمل إذا أمرني وحالَ دون ما أمر، فصاح به سيبويه، وقال: كيف قلت؟ وضرب له مثالًا لشرطي قال لغُلامِه قبلَ صلاة الجمعة: امضِ واشترِ لي جديًا من صفته كذا، واذبحه واشوِه، واعمَل لي حلوًا ولا تتأخَّر، وقدِّمْه لي إذا انصَرفتَ من الصلاة، ثم بدأ الغُلام في التنفيذ، وأمَر الشرطي أعوانه بحبْس الغُلام، فعندما انتهى الشرطي من الصَّلاة جاء بالغلام وقال له: أين الذي أمرتك به؟ فقال: أعوانك حبسوني بأمرك، فلم أستطع فعل ما أمرتني به، ثم قال له سيبويه: أمَا كان هذا الشرطي يستحقُّ بهذا النعل [4] ، وكلُّ هذا الحوار والاستفسار كان بالمسجد الجامع.

وممَّا يدلُّ على أنَّ الأشعار كانت تُلقَى في المسجد الجامع أنَّ سيبويه قد بلغه أنَّ أشعارًا قِيلَتْ في أبي بكر بن الحداد في المسجد الجامع فيها شعر هجاء، فجاء سيبويه إلى ابن الحداد، وقال:

مَا يَضُرُّ البَحْرَ أَمْسَى زَاخِرًا = إِنْ رَمَى فِيهِ صَبِيٌّ بِحَجَرْ

مَا حَطَّكَ الوَاشُونَ مِنْ رُتْبَةٍ = عِنْدِي وَلا ضَرَّكَ مُغْتَابُ [5]

(1) الفائق: هو مَن فاق غيره وعلاه بالشرف، انظر: ابن منظور، لسان العرب، ص 3487، ط دار المعارف بالقاهرة، (د. ت) .

(2) المائق: هو الهالك حمقًا وغباوة، وقال سيبويه: والجمع موقى، مثال: حمق، انظر: ابن منظور، لسان العرب، ص 4300.

(3) الحسن بن زولاق، أخبار سيبويه المصري، ص 5.

(4) المصدر السابق، ص 23، 24.

(5) المصدر السابق، ص 42، 43.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت