ومن دلائل وجود تلك المناقشات والمناظرات في هذا المسجد أنَّه قد رُوِي أنَّه في سنة 326 هـ كان للشافعيَّة في جامع عمرو خمس عشرة حلقة، وللمالكيَّة مثلها، ولأصحاب أبي حنيفة ثلاث حلقات، وقد أدَّى شدَّة التنافُس والنِّقاش بين أصحاب هذه المذاهب إلى المُقاتَلة في المسجد [1] .
ومن كلِّ ما سبَق نستطيع أنْ نصلَ إلى نتيجةٍ مُؤدَّاها: أنَّ جامع عمرو بن العاص كان يُمثِّل جامعةً إسلاميَّة تذخَرُ بحلقات الدرس، وتغصُّ بالطلاب والأساتذة وغيرهم من عامة الناس [2] .
وإلى جانب مسجد عمرو بن العاص وُجِدتْ مساجد أخرى ساعدَتْ على إثراء الحياة الفكريَّة، ومن بين هذه المساجد مسجدُ"ابن عمروس"، فقد كان من المساجد البارزة في مصر الإخْشيديَّة، وقد قامَتْ فيه كثيرٌ من المحاورات والمُناقشات، ومن ذلك أنَّ سيبويه المصري جلَس في هذا المسجد وقال: مدَح الناس المتنبي في قوله:
وَمِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا عَلَى الْحُرِّ أَنْ يَرَى = عَدُوًّا لَهُ مَا مِنْ صَدَاقَتِهِ بُدُّ
وهذا كلامٌ فاسد؛ لأنَّ الصداقة ضد العداوة، والصداقة مأخوذة من الصدق، ولو قال:
وَمِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا عَلَى الْحُرِّ أَنْ يَرَى = عَدُوًّا لَهُ مَا مِنْ مُدَارَاتِهِ بُدُّ
لكان أحسن وأجود [3] ، وعندما بلَغ المتنبي ذلك طرَح كلام سيبويه إلى أنْ رآه في مسجد"ابن عمروس"، فقال له: أيُّها الشيخ، بلغني أنَّك أنكرت قولي:
وَمِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا عَلَى الْحُرِّ أَنْ يَرَى = عَدُوًّا لَهُ مَا مِنْ صَدَاقَتِهِ بُدُّ [4]
(1) ابن سعيد، المغرب في حلى المغرب، ص 173، انظر: د. سيدة إسماعيل كاشف، مصر في عصر الإخشيديين، ص 306، د. حمدي عبدالمنعم، محاضرات في تاريخ مصر الإسلامية، ص 350، د. صفي علي محمد، الحركة العلمية والأدبية في الفسطاط، ص 221.
(2) د. مصطفى الشكعة، أبو الطيب المتنبي في مصر والعراقين، ص 106، مطبعة عالم الكتب، بيروت، ط 1، (1403 هـ - 1983 م) ، انظر: د. فتحي عبدالمحسن محمد، الشعر في مصر في ظل الدولتين الطولونية والإخشيدية، ص 22.
(3) الحسن بن زولاق، أخبار سيبويه المصري، ص 44، انظر: د. سيدة كاشف، مصر في عصر الإخشيديين، ص 322.
(4) الثعالبي، يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر، ج 2، ص 253، ت: د. مفيدة محمد قميحة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، (1420 هـ - 2000 م) .