وقد بلَغ كافورًا أنَّ أبا بكر بن مقاتل يُجرِي على سيبويه جرايةً في كلِّ شهرٍ، فجرى ذكر سيبويه في مجلسه، فقال كافور: من أين يعيشُ؟ فقالوا: فقير، فقال: ما هو فقيرٌ بمصر، مَن يجري عليه الجراية لسبِّه للناس، وكان ابن مقاتل حاضرًا ..." [1] ."
وكذلك كانت دار الوزير جعفر بن الفرات ملتقى أهل العلم والأدب [2] ، فقد كان سيبويه المصري عنده وحدَه يحادثه حتى جاء سابور الخادم يُكلِّم الوزير سرًّا، فترك الوزير سيبويه وحديثه، وأقبَلَ على سابور لهمٍّ جاءَ فيه، فقام سيبويه فقال له الوزير: إلى أين يا سيدي يا أبا بكر؟ فقال: لا تجالسنَّ مَن لا يرى مجالستَك رفعة، ولا تحدثنَّ مَن لا يرى حديثك متعة، ولا تسألنَّ مَن لا تأمَن من مَنعِه، ولا تأمرنَّ مَن لا تأمَن طوعه [3] .
وكذلك اهتمَّ الحسين بن محمد الماذرائي بهذه المجالس العلميَّة، فقد كان يجالس سيبويه المصري، وكان سيبويه يأكُل عنده، ويُنادِمه، وقد تأخَّر سيبويه عن مائدة أبي عليٍّ يومًا، فعمل مائدةً بيده، وأرسَلَها إلى سيبويه [4] ، وهذا دليلٌ على اهتمام رجال الدولة الإخْشيديَّة بتلك المجالس، ودليلٌ أيضًا على تقديرهم للعلماء والأدباء الذين كانوا سببًا في ازدِهار حركة العلوم في مصر الإسلاميَّة في ذلك الوقت.
ويروي ابن زولاق:"حدثني سيبويه قال: كنت في مجلس يموت بن المزرع [5] ، وفي مجلسه طائفتان، فاختلفت مسألة الطائفتين فيما يزيد، فقالت طائفة: تزيد فضائل علي بن أبي طالب، وقالت طائفة: تزيد فضائل أبي بكر، وكان يموت حسن الفراسة، فرأى طائفة أبي بكر كبيرة، فأشفق من ذلك، فقال: اكتبوا: حدثني خالي أبو عثمان عمر بن بحر الجاحظ ..." [6] .
(1) المصدر السابق، ص 41، 42.
(2) د. صفي علي محمد، الحركة العلمية والأدبية في الفسطاط، ص 75.
(3) الحسن بن زولاق، أخبار سيبويه المصري، ص 32.
(4) المصدر السابق، ص 34.
(5) كان صاحب أدب وملح وأخبار، أخذ عن جماعة من علماء العربية، وكان يسمي محمدًا، ويموت هو الغالب عليه، انظر: الحسن بن زولاق، أخبار سيبويه المصري، ص 72.
(6) المصدر السابق؛ ص 39.