ومضى على ذلك قرنان من الزمان قبل أن تتخذ باريس عام 1185 م من قرطبة مثالًا لها، فترصف شوارعها وتنظفها، ومضى قرن آخر قبل أن تحذو بقية المدن الأوربية حذو باريس» [1] .
إنها جولة واسعة المدى. وقفنا فيها على عدة مدن ...
وكانت زيارتنا لبعضها في القرن الثالث الهجري، وكانت زيارة بعضها الآخر في القرن التاسع الهجري ..
اختلف المكان، واختلف الزمان، وتعددت الشعوب .. وأسلوب الحياة واحد. إن التفسير الوحيد لهذه الظاهرة، هو التربية التي تبناها المنهج الإسلامي، والتي اهتمت بالفرد من داخله، اهتمامها بظاهره. فباتت النظافة دينا ًيلتزم به، ولم تعد تكليفًا يجد فيه المشقة والتعب.
ومن هنا كانت الجماليات نابعة من داخل النفس يهتم بها المسلم حتى ولو كان منفردًا، لا يراه أحد من الناس، ولا يجتمع به أحد. ليس هذا في باب النظافة المادية وحسب بل وفي باب النظافة المعنوية، بل وفي الأدب الاجتماعي العام.
إن السلام كمظهر جمالي اجتماعي، مطلوب من المسلم أن يلقيه على من يلتقي به، عرفه أو لم يعرفه .. وإذا دخل بيتًا ألقى السلام على من فيه، فإذا لم يجد أحدًا ألقى السلام على نفسه .. قال تعالى:
{فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ... } [2] وإذا عطس حمد الله، وإذا تثاءب وضع يده على فمه ..
إنه جمال ذاتي لا يراعي فيه وجود الناس فيكون تصنعًا أمامهم ..
إنه الخط الواضح في هذه التربية، يعتني بالفرد فإذا المجتمع مجتمع فريد ..
إنها آثار المنهج السليم، وقد آتى ثماره، بغض النظر عن الزمان أو المكان لأن محله نفس الإنسان.
هذه هي الحصيلة عندما يحكم المنهج .. وتلك هي الحصيلة عندما يغيب ..
هذه هي الحصيلة حينما تكون تربية الإحساس بالجمال جزءًا من تربية منهجية عامة.
وتلك هي الحصيلة حينما تكون تربية الإحساس بالجمال، منفردة مقطوعة الصلة بالتربية الأم، وحينئذ تكون عضوًا مبتورًا، فاقد الحياة والحيوية بل والحركة.
(1) ... كتاب (شمس العرب تسطع على الغرب) ص 499 ط 7.
(2) ... سورة النور. الآية [61] .
قال ابن كثير في تفسيرها: «قال مجاهد: إذا دخلت المسجد فقل السلام على رسول الله، وإذا دخلت على أهلك فسلم عليهم وإذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد فقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين .. وقال قتادة: إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم، وإذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد فقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنه كان يؤمر بذلك» .