محدد اتجاهها، فيه خلط كبير. إذا كان القرآن قد اعتمد على الوصف والتقرير أولا، ثم بيان ما ينبغي أن يكون عليه السلوك الإنساني، فذلك يتطابق مع وظيفته التي أنزل من أجلها، وهي تنظيم العلاقات الإنسانية ضمن تصور متميز، بحيث يوجهها، ويرسم أهدافها، ويقوم انحرافاتها، ويرتقي بها إلى النموذج المطلوب. أن يكون علم الاجتماع وصفيا تقريريا معياريا في آن واحد، معناه أننا نحاول إحلال علم الاجتماع كبديل عن الدين، يقوم بوظيفته الاجتماعية، وهي البشر، وهذا لايستقيم، لاعلميا، ولا عقيديا." [1] "
إذًا، ينبغي أن ينطلق علم الاجتماع من الظواهر والواقع الاجتماعية المرصودة في الميدان، بملاحظتها ملاحظة خارجية عميقة، بالتوقف عند المشاكل التي تطرحها، وتكوين أفكار وقضايا وفرضيات تخمينية حول تلك الظواهر المحيرة في شكل عبارات علمية تقريرية، وتحويل ذلك إلى إشكاليات ووضعيات معقدة بغية إيجاد حلول لها. ولن يتم ذلك إلا بتمثل التجريب منهجا أو استخدام المنهج الوصفي المدعم بالإحصاء. وبعد عمليات التكرار والمعاودة في البحث والتجريب، يتوصل الباحث الاجتماعي إلى قوانين محددة، يحولها إلى نظريات كلية مجردة، يمكن تعميمها إذا بنينت على أساس علمي صحيح وسليم ومنطقي. أما الاستسلام للمقدمات الإيديولوجية المسبقة، سواء أكانت دينية أم ماركسية أم وضعية، ستجعل البحوث الاجتماعية نسبية ومعيارية وأخلاقية لاقيمة لها من الناحية العلمية. وبالتالي، سيتجاوزها التاريخ بسرعة، وستكون عرضة للانتقادات القاسية. إذًا، فتوظيف"العلم في حل المشكلات يسبغ عليه طابعا إيديولوجيا لامحالة، سواء كان هذا العلم طبيعيا أو اجتماعيا، لأننا في نهاية المطاف، شئنا أم أبينا، سنوظف نتائجه ضمن رؤية معينة، لاتخدم بالضرورة مصالح الجميع، وهذا ما حدث مع الاتجاه"
(1) - وسيلة خزار: الإيديولوجيا وعلم الاجتماع، جدلية الانفصال والاتصال، ص: 269.