الصفحة 159 من 298

المراد امتزاج الليل بالنهار حتى يصير كلاهما نهارًا، وامتزاج النهار بالليل، حتى يصيران معا ليلًا.

فعلى الرغم من الفرق الذي ذكره الدكتور فاضل السامرائي بين الباء و (في) بأنّ الأولى تفيد الملاصقة والاقتران، والثانية تفيد التضمن والاحتواء فإنَّ كليهما في الحقيقة يفيد معنى التضمن والاحتواء، فإذا قلتَ: أقام زيد بالبصرة، فإنَّه لا يعني أنَّه أقام في مكان مقترن أو ملاصق لمدينة البصرة، كما ذهب الدكتور فاضل السامرائي؛ بل أراد أنَّه أقام داخل البصرة، لأنَّ الإقامة لا يتحقق معناها إلاَّ أن تكون في مكان من الأرض، وقد أراد المتكلم أن يكون هذا المكان هو أرض البصرة نفسها أي: أنَّه لمَّا قال: أقام بالبصرة، فقد جعل البصرة وسيلة لوقوع فعل الإقامة، أي: باستعمال الباء وقولنا: أقام بالبصرة، جعلنا البصرة ظرفًا للإقامة، وباستعمال (في) وقولنا: أقام في البصرة، جعلنا البصرة ظرفًا للمقيم، وهذا كله متأتٍّ من أنَّ الإلصاق لا يعني كما تقدم إلصاق المقيم بالبصرة، بل إلصاق الإقامة بها وكذلك قولك: فلان بمكة وفي مكة، فباستعمال (في) جعلنا مكة ظرفًا لفلان، وباستعمال الباء جعلناها ظرفًا لوجوده، وقد استعمل الباء في قوله تعالى: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار) {البقرة: 274} لأنَّه والله أعلم أراد أن يجعل كلاًّ من الليل والنهار ظرفًا للإنفاق، وجاز استعمال (في) لو أريد أن يكون كلٌّ منهما ظرفًا للمنفقين، وكذلك استعمل الباء في قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ) {الأنعام: 60} لأنَّه أراد والله أعلم جعل الليل ظرفًا للتوفي، ولو استعمل (في) لجعله ظرفًا للمتوفَّى وللمتوفِّي (ملك الموت)

وكذلك إذا قلتَ: نزل بالبئر، لا يفيد أنَّه نزل بقرب البئر كما ذكر هذا أيضًا الدكتور الفاضل؛ لأنَّ الإلصاق لا يعني إلصاق النازل بالبئر، بل إلصاق نزوله به، ويلزم من هذا المعنى أنَّه نزل البئر؛ لأنَّ فعل النزول لا يتحقق مدلوله إلاَّ بوجود شيء يُنزل فيه، وقد جعل القائل هذا الشيء هو البئر، فكأنَّ البئر أصبح وسيلة لفعل النزول، فنزل بالبئر، ونزل فيه، كلاهما يعني نزوله، ويكون الفرق بينهما أنَّه باستعمال الباء جُعل البئر ظرفًا للنزول وباستعمال (في) يكون ظرفًا للنازل، وقد تقدم أنَّ سيبويه لم يعرِّف الباء بأنَّها تفيد الإلزاق فحسب بل الإلزاق والاختلاط [1]

(1) كتاب سيبويه 4/ 339.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت