ما يعلم ثبوته أو نفيه )) [1] وقول ابن هشام: (( والتقرير معناه: حملك المخاطَب على الإقرار والاعتراف بأمر قد استقر عنده ثبوته أو نفيه ) ) [2] وهذا هو الغرض من استعمال الاستفهام المجازي في كل مواضع وروده في القرآن الكريم؛ لذلك لم يدخل السيوطي المعاني التي ذُكِرت للاستفهام المجازي من معاني الهمزة، إذ جعلها على (( وجهين: الاستفهام 000 الثاني من وجهي الهمزة: أن تكون حرفًا ينادى به القريب، وجعل منه الفرَّاء قوله تعالى: (( أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الأخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ) {الزمر: 9} على قراءة تخفيف الميم، أي: يا صاحب هذه الصفات، قال هشام: ويبعده أنَّه ليس في التنزيل نداء بغير يا، ويقربه سلامته من دعوى المجاز )) [3]
فمعنى النداء في قراءة تخفيف ميم (أَمَنْ) في قوله تعالى: (أَمَنْ هُوَ قَانِتٌ) قول مختلف فيه، والراجح أنَّها استفهامية [4] ولم ترد في القرآن الكريم إلاَّ بهذا المعنى، أمَّا الاستفهام المجازي فهو ابتداءً لا يصح جعله معنى آخر غير معنى الاستفهام، وقد بيَّنتُ في كتابي: لا وجوه ولا نظائر، أنَّ من علامات المعاني الحقيقية للحرف أن لا تربط بينها صلة مجاز.
فهمزة الاستفهام في القرآن الكريم ليست من الألفاظ المشتركة، فهي لم تستعمل إلاَّ لمعنى الاستفهام، إمَّا الاستفهام عما لا يعلمه المستفهِم، والغرض منه حمل المخاطَب على الجواب ليعلم منه السائل ما يجهله، وإمَّا الاستفهام عمَّا يعلمه المستفهِم، والغرض منه حمل المخاطَب على إنكار ما جاء بعد الهمزة، أو الإقرار بنفيه أو إثباته؛ ليشترك الطرفان السائل والمسؤول بالإقرار أو الإنكار، مع ملاحظة أنَّ النفي غير الإنكار، وأنَّ نفي النفي إثبات.
2 -إذ: ذكر النحاة أنَّ (إذ) لفظ مشترك وردت في اللغة على ستة أوجه هي:
(1) الجنى الداني ص 32 - 33.
(2) مغني اللبيب 1/ 18.
(3) الإتقان في علوم القرآن ص 222 وينظر: مغني اللبيب 1/ 13.
(4) ينظر: معاني القرآن للفراء 2/ 296 - 297 ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج 4/ 261 وإعراب القرآن للنحاس ص 878 ومعاني القراءات للأزهري ص 420 وزاد المسير لابن الجوزي 7/ 44 والتبيان في إعراب القرآن للعكبري 2/ 364.