نحو: مررتُ بزيد، والمعنى كما قالوا أنَّك ألصقتَ مرورك بزيد أو جعلته قريبًا منه، وهذا المعنى يتطلب أن يكون مرورك بزيد مصاحبًا له، وجاز جعله بما يقابل الحال، لأنَّ الحال صفة مصاحبة لصاحبها، وأنَّه لولا زيد لما حصل المرور، لأنّ حدوث المرور لايكون إلا بوجود ممرور به فيكون (زيد) سببًا أو وسيلة أو واسطة لحدوثه أو عوضًا عنه؛ ولأنَّ حدوث المرور أيضًا لا يكون إلاَّ بوجود مارٍّ، فيكون أحدهما يقابل الآخر في حصول حدوث المرور، فتكون معاني الإلصاق والسببية والتعليل والمصاحبة والحالية والعوض والتبعيض وكذلك معنى الوسيلة أو الواسطة معنى واحد؛ لأنَّها جميعًا تدخل ضمن معنى ارتباط شيء بشيء أو تعلق شيء بشيء
فالباء إذن ليست من الحروف المشتركة، وأنَّها لم ترد إلاَّ لمعنى واحد، شاع بأنَّه الإلصاق لأنَّه يمثل أقرب المعاني إليها. وكل المعاني المذكورة وغيرها تدخل جميعها ضمن هذا المعنى أو ضمن مرادفاته أو ما كان من لوازمه.
وقد تقدم أنَّ جمهور النحاة زعموا أنَّ الباء في القرآن الكريم وردت بمعانى الحروف الآتية: بمعنى (مِن) و (عن) و (في) و (مع) و (على) و (إلى) وبمعان أُخر لم يكن لها في اللغة ألفاظ تعبر عنها، ونحن نتساءل في معاني القسم الأول: أنَّه إذا كانت لها ألفاظها الخاصة المعبرة عنها فلِمّ إذن عبَّر عنها القرآن الكريم بلفظ الباء ولم يعبر عنها بألفاظها؟ وهذا ما لا يستطيع النحاة الإجابة عنه ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، اللهم إلاَّ إذا تجرأ بعضهم وادعى أنَّ القرآن الكريم قد ألحن فعبَّر عن المعاني بغير ألفاظها، ووضع الألفاظ في غير مواضعها، وما جرأه على هذا الادعاء إلا الادعاء بمجيء حروف بمعاني حروف أُخر في القرآن الكريم، وهذا الإشكال الذي فيه نيل من كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه الذي وضع كل لفظ في مكانه من دون زيادة ولا نقصان لا يُحلُّ إلا بإلغاء فكرة مجيء الحروف بعضها بمعنى بعض في كتاب الله، أمَّا القسم الثاني من هذه المعاني التي لم يكن لها ألفاظ خاصة تعبر عنها فهي إن صحت معاني السياق وليست معاني الباء أو هي ما كان من لوازم معنى الإلصاق الذي تدل عليه الباء بالأصالة.
14 -ثُمَّ: حرف عطف تفيد الترتيب مع التراخي، وهي ليست من الحروف المشتركة، أي: لا تفيد إلاَّ معناها المذكور، قال المرادي: (( ثُمَّ: حرف عطف يشرك في الحكم، ويفيد الترتيب بمهلة، فإذا قلتَ: قام زيد ثُمَّ عمرو، آذنتَ بأنَّ الثاني بعد الأول بمهلة،