هذا مذهب الجمهور، وما أوهم خلاف ذلك تأولوه )) [1] إلاَّ أنّه مع ذلك فقد اختلقوا لـ (ثُمَّ) ثلاثة معان، فقد قيل بمجيئها في القرآن الكريم زائدة، وبمعنى الواو، واستئنافية، وفيما يأتي دراسة لشواهد هذه المعاني [2]
1 -جعلها زائدة: قيل بمجيء (ثُمَّ) زائدة في قوله تعالى: (وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا) {التوبة: 118} وقيل بهذه الزيادة استنادًا إلى أنَّ (إذا) شرطية لا بد من أن يكون لها جواب، ولا جواب لها هنا إلاَّ قوله (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ) ولا يصلح هذا أن يكون هو الجواب إلاَّ بعد جعل (ثُمَّ) زائدة، والحقيقة أنَّ جواب (إذا) هنا محذوف، وكثيرًا ما جاء جواب (إذا) محذوفًا في القرآن الكريم، وهذا ما يصرح به أهل اللغة أنفسهم وقد تطرقتُ إلى هذا الحذف في كتابي: دراسات في النحو القرآني وذكرتُ له شواهد كثيرة منها الشاهد المذكور، وقد ذكرتُ بأنَّ جواب (إذا) محذوف تقديره: تاب عليهم، وحذف لدلالة (ثم تاب عليهم) عليه، وكان ذلك فيما يفهم من السياق للإشارة إلى أنَّ التوبة عليهم، تأخرت لامتحان هذه الصفوة المختارة، وليكونوا قدوة لمن بعدهم في الصبر وعدم اليأس من رحمة الله سبحانه وتعالى، وأضيف إلى ما ذكرته هناك أنَّ جواب (إذا) قد يكون غير ما قدرته، بل جاز أن يكون: استيأسوا، أو يئسوا، أو قنطوا، أو قالوا في أنفسهم لن يتوب الله عنَّا، أو هلكنا أو غير ذلك، فالله سبحانه أخفى الجواب ولم يصرح به لسبب ولحكمة ما، وليذهب المرء في تقديره كل مذهب.
2 -جعلها بمعنى الواو: قيل بمجيء (ثُمَّ) لا تفيد الترتيب، أي: تكون بمعنى الواو كقوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ) {الأعراف: 11} وقوله تعالى: (فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ) {يونس: 46} بمعنى: والله شهيد، وقوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) {الأعراف: 54} يعني:
(1) الجنى الداني ص 426.
(2) ينظر: رصف المباني ص 249 - 251 والجنى الداني ص 426 - 432 ومغني اللبيب 1/ 117 - 118 والبرهان ص 839 - 841 والإتقان ص 244 - 245 والزيادة والإحسان 8/ 83 - 85 وينظر من كتب الوجوه: الوجوه والنظائر للدامغاني ص 151 ونزهة الأعين لابن الجوزي ص 87 ومنتخبه قرة العيون ص 87 أيضًا