يحتاج إلى رؤيته فقيَّده بجره بـ (مِن) التبعيضية، فقال: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) ولهذا نسب الطبري إلى ابن زيد قوله: (( يغض من بصره 000 إذا رأى ما لا يحل له غضَّ من بصره، لا ينظر إليه، ولا يستطيع أحد أن يغض بصره كلَّه، إنَّما قال الله:(قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ) )) [1] وهذا ما قال به المفسرون بعد أن جعلوا (مِن) تبعيضية وليست زائدة؛ لأنَّهم لم يؤمروا بالغض مطلقًا، وإنَّما أُمروا بالغض عما لا يحل [2] .
فـ (مِن) تبعيضية أريد بها حجب بعض البصر؛ لذلك لم يستعملها مع الفروج فقال: (وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) وقال: (وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) ولم يقل كما قال في البصر: ويحفظوا من فروجهم، ويحفظن من فروجهنَّ؛ لأنَّه أراد حفظ الفروج كلها
فصفوة القول فيما تقدم تفصيله أنَّ (مِن) الجارة لم ترد في القرآن الكريم إلاَّ على وجهين: التبعيض والابتداء، أمَّا باقي المعاني فجميعها مختلقة
29 -هل: ليست من الحروف المشتركة، ولم ترد إلاَّ للاستفهام وهذا ما انتهت إليه دراستي لمعانيها في كتابي: لا وجوه ولا نظائر برقم 42
30 -الواو: هي من الحروف المشتركة ومعانيها الأساسية مشهورة وهي: واو العطف، وواو المعية، وواو القسم، وواو (ربَّ) إلاَّ أنَّه قد أضيفت إليها معان مختلقة من أشهرها واو الحال واو الاستتئناف والابتداء وواو الثمانية والزيادة، وهذا ما تضمنه كتابي: المشاكلة بين واو الحال وواو المصاحبة في النحو العربي، وكتابي: دراسات في النحو القرآني.
(1) جامع البيان 2/ 140.
(2) ينظر: الكشاف 3/ 223 والمحرر الوجيز 4/ 177، وزاد المسير 5/ 377 والبحر المحيط 6/ 546،