المعنى نفسه مثلًا لـ (لا) النافية للجنس، ولأجزناه للواو لو قيل: والله غفور رحيم، بل قد وردت الواو في مثل هذا السياق في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) {التحريم: 1} فقد جاز بالطريقة نفسها أن نجعل الواو هنا تفيد التعليل، كما أفادته (إنَّ) هناك، بل لجاز بنفس هذه الطريقة أن نجعل لكل حرف معاني لا حصر لها؛ لأنَّ معاني السياقات لا حصر لها، فكثير من وجوه الحروف ومعانيها في كتب الوجوه وفي كتب حروف المعاني اختلقتْ عن طريق جعل الحرف بمعاني السياقات التي ورد فيها )) [1]
فما علاقة (إنَّ) بالتعليل؟! لكن الذي أوهم ابن جني وغيره على أنَّه أريد منها معنى التعليل كون التركيب يصلح لإرادة معنى التعليل، لكنه لم يرد هذا المعنى، ولو أراده لاستعمل لفظه وقال مثلا في الشاهد الأول: وما أبرئ نفسي لأنَّ النفس أمَّارة بالسوء، إلاَّ أنَّه ما أراد أن يعلل بل أراد أن يؤكد في المواضع جميعها، فالله سبحانه وتعالى بعد أن أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يصلي على أتباعه أكَّد أنّ صلاته سكن لهم، فقال تعالى: (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ) وبعد أن نفى يوسف عليه السلام عن نفسه أنَّها منزهة من كل زلل، أكد أنَّ النفس أمَّارة بالسوء فقال تعالى: (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) {يوسف: 53} وبعد أن أمر الله عباده أن يستغفروه أكَّد لهم أنَّه غفور رحيم فقال تعالى: (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) {المزمل: 20} فالمنهج الصحيح والسليم أن نقف عند حدود ما أراده القائل ولا يصح تجاوزها فنكون ممن يقوِّله ما لم يقله ونقصِّده ما لم يقصده، فليس من حقنا أن نتدخل فيما أراده، ونعلم مراده من اللفظ الذي استعمله المعلوم في اللغة معناه وغرضه.
11 -أنَّ: ذكر النحاة أنَّ (أنَّ) المفتوحة الهمزة والمشددة النون تجيء في اللغة على وجهين: الوجه الأول: أن تكون للتوكيد.
والوجه الثاني: جعلها بمعنى (لعلَّ) وهذا الوجه قيل به في قوله تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ) [الانعام: 109]
(1) لا وجوه ولا نظائر ص 233 - 234 تحت عنوان: العلاقة بين دلالة الحرف والسياق.