الصفحة 172 من 298

واستوى على العرش، وقوله تعالى: (خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) {الزمر: 6}

قال الرماني: (( ثُمَّ: وهي من الحروف الهوامل ومعناها العطف، وهي تدل على التراخي والمهلة، وذلك نحو قولك: قام زيد ثُمَّ عمرو، والمعنى أنَّ عمرًا قام بعد زيد، وبينهما مهلة، وأمَّا قوله تعالى:(وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ) والأمر بالسجود كان قبل خلقنا، ففيه ثلاثة أقوال للعلماء، أحدها: أنَّ التقدير: ولقد خلقنا أباكم آدم وصوَّرناه، ثم قلنا للملائكة اسجدوا له، فجاء على حد كلام العرب، وذلك أنَّهم يقولون: نحن هزمناكم يوم كذا وكذا، أي: آباؤنا هزموا آباءكم 000 والثاني: أنَّ الترتيب وقع ها هنا في الخبر 000 والثالث: أنَّ (ثُمَّ) وقع هنا موقع الواو لاشتراكهما في العطف )) [1]

وقال المرادي: (( وذهب الفراء 000 والسيرافي والأخفش وقطرب 000 إلى أنَّ(ثمَّ) بمنزلة الواو لا تُرَتِّب ومنه عندهم: (خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) {الزمر: 6} ومعلوم أنَّ هذا الجعل كان قبل خلقنا 000 وقد حمل بعضهم قوله تعالى: (ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) على أنَّ (ثم) في الآية لترتيب الأخبار، وقيل أخرج ذرية آدم من ظهره كالذَرِّ، ثم خلق بعد ذلك حواء، فعلى هذا تكون (ثمَّ) على أصلها من الترتيب في الزمان )) [2] وقد ردَّ ابن هشام المذهب المذكور المنسوب إلى الأخفش مؤكدًا مجيئها للترتيب في كل شواهدها [3]

وقال الزمخشري في تفسير الآية التي في الزمر: (( فإن قلتَ ما وجه قوله:(ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) وما يعطيه من معنى التراخي، قلتُ: هما آيتان من جملة الآيات التي عدَّدها دالاًّ على وحدانيته وقدرته، تشعيب هذا الخلق الفائت للحصر من نفس آدم، وخلق حواء من قصيراه، إلاَّ أنَّ إحداهما جعلها الله عادة مستمرة، والأخرى لم تجر بها العادة، ولم تُخلَق أنثى غير حواء من قصيري رجل، فكان أدخل في كونها آية، وأجلب لعجب السامع فعطفها

(1) معاني الحروف ص 119 - 120.

(2) الجنى الداني ص 427 - 430.

(3) ينظر: مغني اللبيب 1/ 117 - 118.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت