بـ (ثُمَّ) على الآية الأولى؛ للدلالة على مباينتها فضلا ومزية، وتراخيها عنها فيما يرجع إلى زيادة كونها آية، فهو من التراخي في المنزلة، لا من التراخي في الوجود، وقيل: (ثم) متعلق بمعنى واحدة، كأنَّه قيل: خلقكم من نفس واحدة، ثم شفعها الله بزوج، وقيل: أخرج ذرية آدم من ظهره كالذَرِّ، ثم خلق بعد ذلك حواء )) [1]
وقال الزركشي: (((ثُمَّ) للترتيب مع التراخي، وأمَّا قوله تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) {طه: 82} والهداية سابقة على ذلك، فالمراد: ثم دام على الهداية 000 وقد تأتي لترتيب الأخبار لا لترتيب المخبَر عنه كقوله تعالى: (( فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ) {يونس: 46} وقوله تعالى: (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) {هود: 90} وتقول: زيد عالم كريم ثم هو شجاع، قال ابن بري: قد تجي (ثُمَّ) كثيرًا لتفاوت ما بين رتبتين في قصد المتكلم 000 كقوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ) {الأنعام: 1} فـ (ثُمَّ) هنا لتفاوت رتبة الخلق والجعل من رتبة العدل 000 ومثله قوله تعالى: (فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ {11} وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ {12} فَكُّ رَقَبَةٍ {13} أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ {14} يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ {15} أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ {16} ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ) {البلد: 11 - 17} دخلت لبيان تفاوت رتبة الفك والإطعام من رتبة الإيمان 000 وذكر غيره في قوله تعالى: (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ) {الأنعام: 1} أنَّ (ثُمَّ) دخلت لبعد ما بين الكفر وخلق السموت والأرض 000 وعلى ذلك جرى الزمخشري في مواضع كثيرة من الكشاف 000 وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) {الأحقاف: 13} قال: كلمة التراخي دلت على تباين المنزلتين 000 أعني أنَّ الاستقامة على الخير مباينة لمنزلة الخير نفسه؛ لأنَّها أعلى منها وأفضل [2] ومنه قوله تعالى: (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ {18} فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ {19} ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ) {المدثر: 18 - 20} إن قلتَ: ما معنى (ثُمَّ) الداخلة في تكرير الدعاء؟ قلتُ:
(1) الكشاف 4/ 110 وينظر: الدر المصون 9/ 409 - 410
(2) الكشاف 3/ 78.