حرف آخر هو جواز معنى كل منهما، ولا سيما إذا لم يكن معنى أحدهما ضد معنى الآخر، وهذا ما عبَّر عنه الزجاج بتقاربهما في الفائدة
فالباء في كل موضع للإلصاق، ثم سمها بعد ذلك ما شئت، واجعلها بما شئت من المعاني، فإنَّها لا تخرج من أن تكون من لوازم معنى اللإلصاق، أو من مرادفاته؛ بل تعد معنى واحد؛ لأنَّها تدخل جميعها ضمن معنى ارتباط شيء بشيء، أو تعلق شيء بشيء حقيقة أو مجازًا
معنى الباء الجارة:
قال سيبويه: (( وباء الجر إنَّما هي للإلزاق والاختلاط، وذلك قولك: خرجتُ بزيد ودخلتُ به وضربته بالسوط، ألزقتَ ضربك إياه بالسوط، فما اتسع من هذا في الكلام فهذا أصله ) ) [1] وقال المرادي: (( وردَّ كثير من المحققين سائر معاني الباء إلى الإلصاق 000 وجعلوه معنى لا يفارقها ) ) [2] وقال ابن هشام: (( ثم الإلصاق حقيقي كـ: أمسكت بزيد، إذا قبضت على شيء من جسمه أو على ما يحبسه من يد أو ثوب ونحوه، ولو قلتَ: أمسكته احتمل ذلك وأن يكون منعته من التصرف ) ) [3] وهذا هو الفرق بين تعدي الفعل إلى مفعوله بنفسه، وتعديه إليه بالباء، وعُرَّف الإلصاق بأنَّ (( معناه: اختلاط الشيء بالشيء ) ) [4] وبأنَّه (( هو تعلق أحد المعنيين بالآخر ) ) [5]
ثمة حقيقة طالما رددتها في كتابي السابق: لا وجوه ولا نظائر، أنَّ اللفظ ولا سيما اللفظ القرآني لا يطابق معناه إلا اللفظ نفسه، فالباء الجارة مثلا، وهي في تركيبها اللغوي لا يمكن التعبير عنها بما يطابق دلالتها، والإلصاق الذي جعله النحاة المعنى الأصلي للباء ولا يفارقها في كل مواضع ورودها في اللغة والقرآن الكريم، لا يمثل المعنى الحقيقي للباء، وكذلك معاني المصاحبة والسببية والتعليل والحالية والعوض والتبعيض وغيرها، وإنَّما تمثل المعاني القريبة منها، ويبدو أنَّ الإلصاق أقربها إليها، فقد جعل النحاة مثلًا الباء للإلصاق في
(1) كتاب سيبويه 4/ 339.
(2) الجنى الداني ص 46 وينظر: مغني اللبيب 1/ 101.
(3) مغني اللبيب 1/ 101.
(4) البرهان ص 833.
(5) الإتقان ص 242 وينظر: الزيادة والإحسان 8/ 73.