التعجب فهو معنى السياق، قال الزمخشري: (((أَلَمْ تَرَ) تقرير لمن سمع بقصتهم من أهل الكتاب وأخبار الأولين، وتعجيب من شأنهم )) [1]
وقد جعل ابن هشام همزة الاستفهام للتعجب في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا) {الفرقان: 45} [2] بينما جعلها الزركشي للتنبيه والتذكير [3] وهمزة الاستفهام هنا وفي كل موضع ليست للتعجب ولا للتنبيه ولا للتذكير، بل هذه المعاني إن صحت معاني السياق وحسبما فهمها القائل بها، والحقيقة أنَّ (( الاستفهام تقريري، فهو صالح لطبقات السامعين، من غافل يُسال عن غفلته لِيُقِرَّ بها تحريضًا على النظر، ومن جاحد يُنكَر عليه إهماله النظر، ومن موفق يُحَث على زيادة النظر ) ) [4]
وهذا المعنى هو المراد من كل استفهام، وكل المعاني التي ذكروها هي معاني السياق، وليست معاني الهمزة، وهذا ما دلَّ عليه كلام أهل اللغة أنفسهم، فالمرادي مع أنَّه ذكر أنَّ همزة الاستفهام ترد للمعاني الآتية: التسوية، والتقرير، والتوبيخ، والتحقيق، والتذكير، والتهديد، والتنبيه، والتعجب والاستبطاء، والإنكار، والتهكم [5] قال قبل ذلك: (( ثم إنَّ همزة الاستفهام قد ترد لمعان أُخَر بحسب المقام، والأصل في جميع ذلك معنى الاستفهام ) ) [6]
والحقيقة أنَّ ما سُمِّي بالاستفهام المجازي أريد به في كل موضع، التقرير، أو الإنكار، وهذا ما صُرِّح به، قال المرادي: (( وذكر بعض النحويين أنَّ التقرير هو المعنى الملازم للهمزة في غالب هذه المواضع المذكورة، وأنَّ غيره من المعاني كالتوبيخ والتحقيق والتذكير ينجر مع التقرير ) ) [7] وقد مرَّ قول المرادي: (( التقرير: وهو توقيف المخاطَب على
(1) الكشاف 1/ 286 وينظر: أنوار التنزيل 1/ 148 ومدارك التنزيل ص 126 والتحرير والتنوير 2/ 454 - 455
(2) ينظر: مغني اللبيب 1/ 18.
(3) ينظر: البرهان ص 799.
(4) التحرير والتنوير 19/ 62 - 63.
(5) ينظر: الجنى الداني ص 31 - 33
(6) الجنى الداني ص 31.
(7) الجنى الداني ص 34.