فالشاعر هنا استعمل (إذا) في الشطر الأول، واستعمل (إن) في الشطر الثاني، فلم يوحِّد، ولم يعكس؛ لأنَّ في كلتا الحالتين يختل وزن البيت، فكم حالة مثل هذه الحالة حصلت في الشعر العربي؟! ومثل هذه الحالة وما هو أدنى منها لا تجده في كتاب الله جل وعلا.
المبدأ الثاني: أنَّ اللفظ القرآني لا يطابق معناه إلاَّ اللفظ نفسه، وكذلك كل تركيب فيه لا يطابق دلالته إلاَّ التركيب نفسه، وإذا عُرِّف أو فُسِّر، فإنَّما يُعرَّف ويُفسَّر باللفظ والتركيب القريب من معناه.
المبدأ الثالث: المعنى وحده من دون اللفظ هو الأساس في فهم كل لفظ وتركيب، وأساس كل إعراب فيه، من ذلك مثلًا أنَّك تقول: نجحتْ سعادُ، وكلَّمتُ سعادَ، وسلَّمتُ على سعادَ، تقول هذا إذا جعلتَ اللفظ (سعاد) علمًا لمؤنَّث، فتمنعه من الصرف والتنوين وتجره بالفتحة وتؤنث الفعل المسند إليه، وإذا جعلتَه علمًا لمذكَّر، ذكَّرتَ الفعل المسند إليه وتقول: نجح سعادٌ، وكلَّمتُ سعادًا، وسلَّمتُ على سعادٍ، فتنوِّن اللفظ وتجره بالكسرة، والفعل (تناسَوا) تعربه فعل ماض مبنى على الفتح إذا جعلته فعلًا دالاًّ على الزمن الماضي، وتعربه فعل أمر مبني على حذف النون إذا جعلته فعلًا دالاًّ على معنى الأمر، فغيَّرتَ الإعراب لتغيّر المعنى، وتقول: لا يتخذْ مؤمنٌ كافرًا وليًّا، وتقول: لا يتخذُ مؤمنٌ كافرًا وليًّا، فتسكِّن آخر الفعل في المثال الأول عندما تجعل (لا) ناهية، وتضمه إذا جعلتها نافية، فتأمَّل أثر المعنى في تغيير القاعدة الصرفية، وأثره في تغيير اللفظ تبعًا لتغير المعنى.
فهذا منهجي أمَّا منهج النحاة في استنباط المعاني للأدوات فهو السياق، وقد تكلمتُ على منهجهم هذا في كتابي: لا وجوه ولا نظائر، تحت عنوان: العلاقة بين دلالة اللفظ والسياق، وتحت عنوان: العلاقة بين دلالة الحرف والسياق، ومن المفيد والضروري أن أنقل هنا نص ما قلته هناك قبل أن أشرع في دراسة الأوجه والمعاني التي ذكرها النحاة في كتب حروف المعاني:
العلاقة بين دلالة اللفظ والسياق: من المفيد أن أعيد هنا ما ذكرته في كتابي السابق ما له علاقة بموضوع هذا الكتاب من ذلك ما قلته عن العلاقة بين دلالة اللفظ والسياق فقد شاع لدى أصحاب الدراسات الدلالية أنَّ السياق هو الذي يحدد دلالة اللفظ، وهو الذي أمدَّ كل لفظ من الألفاظ التي اشتملت عليها كتب الوجوه بالأوجه المتعددة، وهذا وهم وفكر خطر؛ لأنَّه يؤدي إلى إلغاء الدلالة الموضوعة للألفاظ التي أثبتتها كتب