وهذا النموذج رد آخر صريح على من يزعم أن الشرك لن يعود إلى جزيرة العرب، إلا إن كان يفهم من الحديث أن عبادة الشيطان لا تكون إلا بعبادة الأصنام خاصة فإن صاحب هذا الفهم ربما سلم له ذلك ولكن ما الدليل على تخصيص عبادة الشيطان بذلك دون سواه من أنواع الكفر والإلحاد؟
الواقع أنه لا دليل على ذلك، وأن جميع أنواع الكفر- من شرك وإلحاد وغيرها من أنواع الكفر -هي من عبادة الشيطان، بل جميع المعاصي من عبادة الشيطان.
قال الإمام الرازي - رحمه الله:"المسألة الرابعة"قوله: {لا تعبدوا الشيطان} معناه لا تطيعوه بدليل أن المنهي عنه ليس هو السجود له فحسب، بل الانقياد لأمره والطاعة له فالطاعة عبادة) [1] ، وهذا يشمل جميع أنواع المعاصي.
وقد عدَّ الشنقيطي -رحمه الله - الحكم بغير ما أنزل الله من عبادة الشيطان فقال: (واتباع الشرائع المخالفة لما شرعه الله تعالى هو المراد بعبادة الشيطان في قوله تعالى: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان} [2] وقوله تعالى على لسان إبراهيم: {يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيًا} [3] [4] .
النموذج الرابع -علي بن الفضل الجدني الذي ظهر في اليمن عام (278 هـ) وقتل بعاصمة مملكته المذيخرة عام (304 هـ) هذا الرجل أجمع -كذلك- على كفره وإلحاده العلماء والمؤرخون ونقلوا عنه الإلحاد الصريح والكفر البواح، فهل يقول القبوريون أنه ليس بكافر؛ لأن جزيرة العرب لن يعود إليها الشرك إلى قيام الساعة أم بماذا يجيبون عنه؟
(1) تفسير الرازي (26/ 96) .
(2) يس (60) .
(3) مريم (44) .
(4) أضواء البيان تفسير القرآن بالقرآن (4/ 83) محمد الأمين الشنقيطي طبع عالم الكتب بيروت بدون تاريخ.