ضربت امرأته القبة على قبره سنة ثم رُفعت فسمعوا صائحًا يقول: (ألا هل وجدوا ما فقدوا؟ فأجابه الآخر: بل يئسوا فانقلبوا) [1]
وهذا الأثر قد حمَلَ نقدَه وتفنيدَه معَه؛ لأمور:
الأمر الأول - إيراد البخاري له في هذا الباب دال على استنكاره له، قال الحافظ -رحمه الله-: (ومناسبة هذا الأثر لحديث الباب أن المقيم في الفسطاط لا يخلو من الصلاة هناك فيلزم اتخاذ المسجد عند القبر وقد يكون في جهة القبلة فتزداد الكراهة) [2] .
والأمر الثاني ذكرُ الهاتف فإنه مُشْعِر بقبح ما صنعت تلك المرأة.
قال ابن المنير _كما نقل عنه الحافظ _: (إنما ضربت الخيمة هناك للاستمتاع بالميت بالقرب منه تعليلًا للنفس، وتخيلًا باستصحاب المألوف من الأنس ومكابرة للحس، كما يتعلل بالوقوف على الأطلال البالية ومخاطبة المنازل الخالية، فجاءتهم الموعظة على لسان الهاتفين بتقبيح ما صنعوا، وكأنهما من الملائكة أومن مؤمني الجن، وإنما ذكره البخاري لموافقته للأدلة الشرعية لا لأنه دليل برأسه) [3] ، إذًا فعلى رأي ابن المنير إنما أورد البخاري ذلك للاستئناس به لما ذهب إليه من كراهة اتخاذ المساجد على القبور وليس لتأييد ذلك.
قال القسطلاني -رحمه الله - في شرحه على البخاري: (ومطابقة الحديث للترجمة من جهة أن المقيم في الفسطاط لا يخلو من الصلاة فيه فيسلتزم اتخاذ المسجد عند القبر، وقد يكون القبر في جهة القبلة فتزداد الكراهية وإذا أنكر الصائح بناءً زائلًا وهو الخيمة فالبناء الثابت أجدر، ولكن لا يُؤخَذ من كلام الصائح حكم لأن مسالك الأحكام الكتاب والسنة والقياس والإجماع ولا وحي بعده عليه الصلاة والسلام، وإنما هذا وأمثاله تنبيه على انتزاع الأدلة من مواضعها واستنباطها من مظانها) [4] . وبهذا يظهر أن الدليل هو لنا وليس للقبورية.
الشبهة السادسة من شبهات القوم: أن عائشة رضي الله عنها أدركت أخاها عبد الرحمن بعد موته -حين رفعوا أيديهم عن دفنه بذي طوى -فأمرت بفسطاط فضرب على قبره.
(1) البخاري مع الفتح (3/ 200) .
(2) المصدر السابق (3/ 200)
(3) المصدر السابق (3/ 200) .
(4) إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (2/ 430) ، لأبي العباس شهاب الدين أحمد بن محمد القسطلاني، دار إحياء التراث بيروت بدون تاريخ.