الحنبلي في الفروع فلم يسجّل له وجود في اليمن تلك الفترة، وكان المذهب المالكي هو أول تلك المذاهب انتشارًا ثم الحنفي ثم الشافعي، وليس للمذهب المالكي وجود في اليمن الآن، وبقي المذهب الحنفي في زبيد بشكل محدود، بينما انتشر المذهب الشافعي في عموم اليمن بما في ذلك صنعاء وذمار وما والاهما حتى القرن الحادي عشر، حينما فرض المذهب الهادوي الذي يتبناه الأئمة الزيدية على تلك النواحي، وانقسمت اليمن بعد ذلك انقسامًا ظاهرًا، حيث ساد المذهب الشافعي اليمن الأسفل وتهامة وما والاها من البلاد الجبلية، والجند وماحو لها بما في ذلك معظم مخا ليف، إب والحجرية كاملة، والبيضاء وما يلتحق بها، ومأرب والجوف، هذا فيما كان يعرف باليمن الشمالي، وأما ما كان يعرف باليمن الجنوبي فكله شافعي ولاوجود للمذهب الهادوي فيه، وماعدا ذلك فالسائد فيه المذهب الهادوي، وهو يمتد من صعدة شمالًا إلى يريم وما جاورها جنوبًا مقتصرًا على المنطقة الجبلية إلى مشارف تهامة غربًا.
هذه صورة مختصرة للمذاهب الفقهية التي سادت اليمن، ولكن يجب ألا نغفل حقيقة مهمة، هي أن اتباع الكتاب والسنة والتجرد لهما، ونبذ التعصب المذهبي بل نبذ التمذهب بشكل تام بقي مستمرًا في اليمن، ولم يلغه وجود المذاهب الفقهية وانتشارها، بل ظل حيًا حاضرًا وإن ضعف في بعض الأحيان وخفَتَ صوته إلا أنه مازال موجودًا خصوصًا في المناطق الزيدية، وقد اشتهر جماعة من المجتهدين النابذين للتقليد الذين كان لهم الأثر الطيب على العلم والعلماء، وكانوا نبراسًا مضيئًا في حوالك الظلم التي لبَّدت سماء الأمة الإسلامية قرونًا عديدة، وأصبحوا أساتذة الاجتهاد، والتجديد، وحرية الرأي، ورمز الاقتداء بالسلف الصالح ليس في اليمن فقط ولكن في العالم كله، حيث تتداول كتبهم بل وتصبح من المقررات الأساسية في أشهر الجامعات الشرعية والمعاهد الدينية في العالم الإسلامي، من أشهر أولئك:
1)محمد بن إبراهيم الوزير [1] .
(1) هو إمام أهل السنة في زمانه، بل مجدد الإسلام في اليمن في القرن الثامن محمد بن إبراهيم الوزير مولده سنة (775 هـ) وقد نشأ على طريقة قومه الزيدية المعتزلة، ثم رغب عنها وتحول إلى الطريقة السلفية، فبرع في علوم الكتاب والسنة، واستكمل أدوات الاجتهاد، واضطهد لذلك، فصبر، وصابر، وألف، وناظر، ولو لم يكن له إلا كتابه العظيم العواصم و القواصم لكفى، كيف وله مؤلفات فائقة كثيرة سواه، وهو رأس المدرسة السلفية التي مازالت - والحمد لله - قائمة ... إلى اليوم، لا يكاد مؤرخ من مؤرخي اليمن إلا وهو يشيد بفضله، وقد ترجم له من يصعب حصرهم، وأثنى عليه حتى من يخالفه من الزيدية وغيرهم، وألفت رسالة علمية بعنوان"ابن الوزير وآراؤه الاعتقادية وجهوده في الدفاع عن السنة النبوية"، قدمت لجامعة أم القرى بمكة للشيخ علي بن علي جابر الحربي توزيع عالم الكتب ط الأولى (1417) . وانظر ترجمته كذلك: البدر الطالع (1/ 81 - 93) ، وهجر العلم للقاضي إسماعيل الأكوع (3/ 1367 - 1376) ، والبحث الضافي الذي بعنوان الإمام محمد بن إبراهيم الوزير وكتابه العواصم و القواصم في مقدمة العواصم والقواصم (1/ 7 - 100) ، طبع مؤسسة الرسالة بيروت (1418 هـ-1992 م) للقاضي إسماعيل الأكوع.