التقليد في بعض المواضع من أصله، بعكس أتباع المذاهب الأخرى الذين أغلقوا باب الاجتهاد من بعد القرن الرابع، وصاحوا بكل من ادعاه بأنه جاهل متعالم، أو مارق منحرف.
هذا وقد أطلتُ في هذا الموضع لأنني رأيت جمع كل ما يتعلق بالمذاهب الفقهية فيه ولن أعود إلى شيء من ذلك فيما بعد لعدم اقتضاء الموضوع له.
الفرق العقائدية غير ما تقدم:
لقد ذكرنا فيما تقدم فرق الشيعة الإسماعيلية والزيدية وفرقة الخوارج الإباضية، وإكمالًا للبحث ينبغي أن نلمَّ ببقية الفرق التي طرأت على اليمن وعلى أهله الذين مازالوا متمسكين بمنهج السلف الصالح في عقيدتهم إلى اليوم، نعم إن منهج السلف الصالح منهج الفرقة الناجية والطائفة المنصورة هو الأصل في اليمن، والمناهج الأخرى إنما هي طارئة عليه، وكان هذا المنهج هو منهج الأمة بكاملها حينما كانت الأمة هي الصحابة الكرام وتابعوهم بإحسان، ثم بدأت الفرق الضالة تخرج عن هذا السبيل، وتفارق ذلك المنهج؛ فخرجت الخوارج ثم الروافض ثم القدرية في عهد الصحابة أنفسهم، ثم توالت تلك الفرق في الانحراف ومفارقة المنهج القويم والصراط المستقيم، وقد تفرقت تلك الفرق نفسها إلى فرق فرعية كثيرة جدًا، وظهرت فرق جديدة ذات أثر في الساحة الإسلامية؛ منها الجهمية ثم المعتزلة ثم الكلّابية والماتريدية والأشاعرة، وهذه الثلاث الفرق الأخيرة في الواقع قد تبيّن لها ضلال الفرق السابقة عليها وخصوصًا الجهمية والمعتزلة اللتين تشتركان في الانتساب إلى علم الكلام.
وقد حاول أئمة تلك الفرق الثلاث العودة إلى النبع الصافي والمنهل العذب، ولكن آثار علم الكلام لم تمكن الإمامين ابن كلاب [1] ، والماتريدي [2] من ذلك، فتخلصا من كثير من بدع وعقائد الجهمية والمعتزلة، وبقي لديهما بعضها وأخذا ببعض أصول السلف أهل السنة، وقصّرا في بعضها،
(1) هو عبدالله بن سعيد بن كُلّاب القطان البصري رأس المتكلمين بالبصرة في زمانه وإمام الطائفة المعروفة بالكلابية، توفي سنة (245) . انظر: السير (11/ 174) ، وطبقات الشافعية (2/ 245) ، ولسان الميزان (3/ 360) لابن حجر طبع دار الفكر بيروت ط الأولى (1407 هـ - 1987 م) .
(2) 2 هو أبو منصور محمد بن محمد بن محمود السمرقندي، يلقب بإمام الهدى وإمام المتكلمين، توفي سنة (333 هـ) ، وهو مؤسس المدرسة المشهورة بالماتريدية نسبة إليه، وله عند أتباعه منزلة عظيمة. انظر: مقدمة كتاب الماتريدية ص ... (93 - 99) للشيخ أحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي الحربي، طبع دار العاصمة بالرياض، والأعلام (7/ 19) .