بعد هذه المقدمة المهمة في نظري أعود فأقول: إنه لم يثبت بشكل جلي وجود للماتريدية أو الأشعرية في اليمن في هذه الفترة.
وأما المعتزلة فالصحيح أن الذي أتى بها إلى اليمن هو الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين سنة (285 هـ) ، فالزيدية في العقيدة معتزلة، وإن خالفوا المعتزلة في المنزلة بين المنزلتين، فجعلوا مكانها الإمامة، ويقول بعض الباحثين: إن اعتزال زيدية اليمن في بداية أمرهم كان على طريقتهم الخاصة بهم، وليس هو الاعتزال المعروف المنسوب إلى واصل بن عطاء وأتباعه.
وقد ظلت الزيدية على ذلك إلى أن ظهرت المطرفيَّة [1] ، وانتشرت، وفشت بين الناس، وأصبحت تشكل قوة علمية وبشرية يحسب لها ألف حساب، وخصوصًا أنهم قد خالفوا السائد من عقائد الاعتزال وعقائد الزيدية في أمور أهمها: مسألة الإمامة وأنهم لا يحصرونها في أبناء علي - رضي الله عنه -، وإنما من جمع صفاتها من المسلمين، فهو أهل لها، وكذلك التفضيل بمجرد النسب لا يقرونه، فتدخلت الغيرة على العقيدة مع الغيرة على الميزة التي اكتسبها بعض الناس في مسألتي الإمامة والنسب، وعند ذلك رغب القائمون على المذهب الزيدي وعقيدته الموروثة في التصدي لهذه الفرقة، وهزيمتها فكريًا عن طريق المناظرة، ولما كان رجال المطرفية أكثر علمًا وأنضج فكرًا؛ وشعر الطرف الثاني بذلك؛ رغب في تسليح فريقه برجال على نفس المستوى، بل أقوى ليحملوا فكره، ويدافعوا عن أصوله ومبادئه بالطريقة التي يريدها هو، وعندما علم الإمام المتوكل أحمد بن سليمان أن أحد علماء المعتزلة وصل إلى مكة لأداء الحج عام (540 هـ) سارع باستدعائه إلى اليمن، فأجاب إلى ذلك، ووافى الإمام في محل إقامته حينها هجرة محنكة من خولان صعدة في مطلع عام (541 هـ) ، ومعه كتب الاعتزال، وبقي في اليمن سنتين ونصف لنشر الاعتزال على طريقة معتزلة البصرة، وهي تخالف الاعتزال الذي كان في اليمن من قبل والذي كان أقرب إلى معتزلة بغداد،
(1) المُطَرِّفِيَّة: هي فرقة من فرق الزيدية منسوبة إلى مطرف بن شهاب من أعلام أواخر المائة الرابعة وأوائل المائة الخامسة، وكانوا على جانب عظيم من الإقبال على العلم والاشتغال به والإخلاص في الطاعة والعبادة، حصل بينهم وبين الإمام عبدالله بن حمزة شقاق فقضى عليهم قضاء مبرمًا. انظر: الزيدية للأكوع ص (76 - 77) وتيارات معتزلة اليمن ص ... (187، 192) .