وقد التقى في هذه الفترة القاضي جعفر بن عبد السلام الأبناوي بالبيهقي [1] ، وأخذ عنه علوم الاعتزال وأسلوب المحاجة والمناظرة استعدادًا لمناظرة المطرفية، ثم لما عزم البيهقي على العودة إلى العراق عزم معه جعفر بن عبد السلام ليتزود من المنبع الأصلي للاعتزال، غير أن البيهقي مات في تهامة في طريق العودة، فلم يثنِ ذلك عزيمة ابن عبد السلام، بل واصل المسير إلى العراق وفارس، وأخذ في كل بلد حلّه عن علماء المعتزلة فيه [2] ، ثم عاد يحمل كتب المعتزلة معه، وبهذا تكامل وجود المعتزلة في اليمن، بل إن من الباحثين من يرى أن المعتزلة لم تدخل اليمن إلا من ذلك التاريخ.
ولكن الحق أن الذي دخل في ذلك التاريخ هو فكر وعقيدة معتزلة البصرة التي تخالف الاعتزال الذي ظل قائمًا في المجتمع منذ دخل الهادي إلى أن ظهر جعفر بن عبدالسلام في أيام المتوكل على الله أحمد ابن سليمان المتوفى سنة (566 هـ) [3] .
المطلب الرابع: استمرار منهج السلف الصالح رغم مزاحمة المناهج المختلفة له:
لقد تكفل الله بحفظ دينه وكتابه الكريم، فقال جلّ من قائل: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [4] ، ومقتضى حفظه أن يبقى ظاهرًا قائمًا، وأن تقوم به طائفة تمثله بحق، وتعمل به بصدق، وتدعو إليه بإخلاص، على وفق ما نزل الكتاب وما بلغ الرسول - صلى الله عليه وسلم - ووفق ما فهمه الصحابة الكرام من الكتاب والسنة دون زيادة أو نقصان أو انحراف، وقد أكد هذا المعنى الرسول - صلى الله عليه وسلم - في قوله: (( لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك ) ) [5] .
(1) هو زيد بن علي بن الحسن البيهقي المعتزلي، حج سنة (540 هـ) فاستدعاه الإمام أحمد بن سليمان إلى اليمن فوصل صعدة سنة (541 هـ) ومكث يدرس كيب الاعتزال في مسجد الهادي بصعدة سنتين ونصف ثم رحل إلى بلاده فمات في تهامة. انظر: تيارات معتزلة اليمن ص (132 - 134) .
(2) ملخص من تيارات معتزلة اليمن ص (132 - 135) .
(3) انظر الصلة بين الزيدية والمعتزلة ص (71) ، للدكتور أحمد عبدالله عارف، طبع المكتبة اليمنية صنعاء ودار أزال بيروت، الطبعة الأولى (1407 هـ -1987 م) .
(4) سورة الحجر آية (9) .
(5) تقدم تخريجه ص (73)