وإذا كان هذا الوعد يشمل جميع بلاد الله التي يظللها الإسلام، فإنَّ يمن الإيمان والحكمة من أحق البلاد بتحقيق هذا الوعد، وبالفعل فإن تاريخ اليمن لمليء بالأدلة على هذه الدعوى، فلم يخلُ جانب من جوانب منهج أهل السنة والجماعة ممن يقوم به، ويدافع عنه طوال التاريخ اليمني، أو على سبيل الاحتياط في معظم مراحل التاريخ.
وإذا كان قد مرَّ بنا أن غالب القرون الثلاثة كان الظاهر فيه مذهب أهل السنة والجماعة في اليمن، فإن الفترات اللاحقة لم تشهد غيابًا كاملًا لهذا المذهب، وإنما قد يضعف، ويضايق، ويضطهد دعاته في بعض الأحيان، ثم لا يلبث أن يظهر، وما إن تُرفع الحجب، وتزال العقبات من أمامه حتى يهرع الناسُ إليه، يتسابقون عليه، ويسيرون تحت لوائه، وذلك أنه الوحيد المنسجم مع الفطرة والذي تميل إليه الأنفس والقلوب التي لم تعمَ بظلمات البدع، ولم يعكر عليها غبار الشبهات، ومن الأدلة الناصعة على أن منهج السلف الصالح هو المنهج المنسجم مع الفطرة السليمة أن جميع المذاهب الوافدة على اليمن لم تظهر، وتنتشر بين الناس إلا في ظل دول قوية وسلطات قاهرة، ماعدا منهج أهل السنة والجماعة فإنه يقوم بنفسه، وينتشر بما جعل الله فيه من عوامل البقاء والخلود والانتشار، وسيظهر ذلك مما سنورده في المباحث القادمة عند الكلام على تلك المناهج.
وإذا علمنا أن الأصل الذي كان عليه أهل اليمن هو مذهب أهل السنة والجماعة وأن المذاهب الأخرى إنما طرأت عليه، فإن المعروف المقرر هو بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت خلافه، ولم يثبت أن مذهبًا من تلك المذاهب الوافدة قد طبق اليمن قاطبة، ولم يدّعِ أحد من أهل تلك المذاهب ذلك، وهذا وحده يكفي دليلًا على استمرار مذهب السلف الصالح وعدم انقطاعه إلى يومنا هذا.
وهذا ما نلمحه جليًا في كلام المؤرخين، والشهادة الأولى لمؤرخ زيدي هو يحيى بن الحسين ابن القاسم في طبقات الزيدية حيث يقول: (قلت: وكان اليمن في هذا التاريخ - وهو سنة أربعمائة إلى خمسمائة - فيه اختلاف شديد في المذاهب، واضطراب وفتن وشبه يوردها كل فريق، فكان فيه الزيدية فريقين: مخترعة ومطرفية، وفي اليمن الأسفل حنبلية وشافعية، ولما كان رأس خمسمائة فما بعدها غلب على اليمن الأسفل مذهب الأشعري لما خرج من الشام مع بني أيوب، فإنهم أخرجوا معهم"المقالة القدسية"أول إحياء علوم الدين في عقيدة الأشعري فمال إليه أكثر الشافعية في ذلك الوقت؛ لأن الأشعري في ثلاثمائة سنة وكانت وفاته أربع وعشرين وثلاثمائة ...