فهرس الكتاب

الصفحة 353 من 618

على ما وضع له، ولا يدل على معنى حرف آخر؛ فنحن تمسكنا بالأصل؛ ومن تمسك بالأصل استغنى عن إقامة الدليل؛ ومن عدل عن الأصل بقي مرتَهَنًا بإقامة الدليل، ولا دليل لهم يدل على صحة ما ادعوه، وأمَّا الجواب عن كلمات الكوفيين، أمَّا احتجاجهم بقوله تعالى: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) فلا حجة لهم فيه، وذلك من وجهين، أحدهما: أن تكون للتخيير، والمعنى: أنَّهم إذا رآهم الرائي تحيَّر في أن يقدرهم: مئة ألف، أو يزيدون على ذلك، والوجه الثاني: أن تكون بمعنى الشك، والمعنى: أنَّ الرائي إذا رآهم شكَّ في عدتهم لكثرتهم، أي: أنَّ حالهم حال من يشك في عدتهم لكثرتهم، فالشك يرجع إلى الرائي، لا إلى الحق تعالى، كما قال الله تعالى: (فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) {البقرة: 175} بصيغة التعجب، والتعجب يرجع إلى المخاطبين لا إلى الله تعالى، أي: حالهم حال من يُتَعَجَّب منه؛ لأنَّ حقيقة التعجب في حق الله لا تتحقق 000 وأمَّا قول الله تعالى: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) فلا حجة لهم فيه؛ لأنَّ (أو) فيها للإباحة، أي: قد أبحتك كل واحد منهما كيف شئتَ، كما تقول في الأمر: جالس الحسن أو ابن سيرين، أي: قد أبحتك مجالسة كل واحد منهما كيف شئتَ، والمنع بمنزلة الإباحة )) [1]

وقال العكبري: (((أَوْ كَفُورًا) أو: ها هنا على بابها عند سيبويه وتفيد في النهي المنع من الجميع؛ لأنَّك إذا قلتَ في الإباحة: جالس الحسن أو ابن سيرين، كان التقدير: جالس أحدهما، فإذا نهى قال: لا تكلم زيدًا أو عمرًا، فالتقدير: لا تكلم أحدهما، فأيهما كلمه كان أحدهما، فيكون ممنوعًا منه،

(1) الإنصاف في مسائل الخلاف 2/ 16 - 20 مسألة 67.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت