فهرس الكتاب
أجمع أهل اللغة على أنَّ الظنَّ جاء في القرآن الكريم بمعنى الشك وبمعنى اليقين [1] وهذا الذي أجمعوا عليه مردود عندي بما يأتي:
1 -لا يصح مجيء الظن في القرآن الكريم بمعنى الشك في مواضع، وبمعنى اليقين في مواضع أُخَر؛ لأنَّ ألفاظ هذه المعاني الثلاثة: الظن والشك واليقين، قد استعملها القرآن الكريم على حد سواء، مما يدل قطعًا على أنَّ لكل منها معناه الخاص به، الذي يميزه من معنى اللفظين الآخرين.
2 -القول بأنَّ الظن جاء بمعنى الشك واليقين يعني الادعاء بأنَّ القرآن الكريم استعمل المعنى بغير لفظه الموضوع له، واستعمل اللفظ بغير معناه الموضوع له، وفي ذلك خلط بين الألفاظ والدلالات، وهذا ما تنزه عنه كتاب الله.
3 -ما أجمع عليه أهل اللغة والوجوه والتفسير، لا يمكن الأخذ به إلاَّ إذا استطاعوا الإجابة بجواب مقنع عن السؤال الآتي: لِمَ عبَّر القرآن الكريم عن معنى اليقين ومعنى الشك بلفظ الظن، مع العلم أنَ القرآن قد استعمل لفظ اليقين ولفظ الشك؟ أي: لِمَ عبَّر عنهما بلفظ الظن ولم يعبِّر عن كل منهما بلفظه؟ إنَّه لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال إلاَّ بأحد أمرين: إمَّا الادعاء بأنَّ الله تعالى ذكره ألحن، فاستعمل الظن موقع اليقين في مواضع، وموقع الشك في مواضع، وهذا ما لا يمكن لأحد أن يدعيه، وإمَّا القول بأنَّ القرآن الكريم استعمل الظن في كل مواضع وروده، ولم يستعمل اليقين والشك؛ لأنَّ ثمة فرقًا في المعنى وإن دقَّ بينه وبينهما، وأنَّ القرآن
(1) ينظر: العين ص 589، والأضداد للأنباري ص 20 والأضداد لأبي الطيب اللغوي ص 296، ومقاييس اللغة ص 551.