الصفحة 12 من 48

كثيرًا من المنح الإلهية التي تسنح للحظات ثم ينفض سوقها بغروب شمسه.

وأما البائس الذي ألهاه زمانه وتعثَّر في أثواب خباله فإنه محرومٌ من هذا المذاق الإيماني الموقوف على صائدي الحسنات.

وإلى بعضٍ من دُرِرِ التميز لهذا اليوم العظيم تحفيزًا لمرتادي القمم من شوامخ الإيمان .. والله المستعان.

عن أبي لبابة البدري - رضى الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( إن يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها عند الله وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى ويوم الفطر وفيه خمس خلال خلق الله فيه آدم وأهبط الله فيه آدم إلى الأرض وفيه توفى الله آدم وفيه ساعةٌ لا يسأل الله فيها العبد شيئًا إلا أعطاه إياه ما لم يسأل حرامًا وفيه تقوم الساعة ما من ملكٍ مقربٍ ولا سماءٍ ولا أرضٍ ولا رياحٍ ولا جبالٍ ولا بحرٍ إلا وهن يُشفقن من يوم الجمعة ) ) [1] .

وحق للعقل بعد التأمل أن يقول: لو لم يرد في بيان فضل يوم الجمعة إلا هذا الحديث الشريف لكفى، إذ أنه يميزه بالفضل والتعظيم عن يومي الفطر والأضحى - وهما عيدا المسلمين -، ومع هذا فإنه ينقل صورةً عن الكون كله وهو في حالة استنفارٍ إيمانيٍّ وطوارئ دائمة كل أيام الجُمَعِ كأنه يكتم أنفاسه إستشعارًا بقدسية هذا اليوم، فالسماء على عظمها والأرض على اتساعها اللتان قال الله تعالى فيهما: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [2] يحدوهما الإشفاق والوجل من يوم الجمعة، وكيف لا وقد دونا اسميهما في ديوان الطائعين بعد تمام خلقهما مباشرةً إذ يقول الله عز وجل: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [3] ، والرياحُ التي سخرها الله تعالى منافع للخلق منها الذاريات واللواقح والمبشرات والرخاء وما فيها من خيرٍ ونفعٍ تحمد عقباه إلا أن الإشفاق يساورها في يوم الجمعة مع السماء والأرض ومعهن الجبال الرواسي التي جعلها الله تعالى أوتادًا للأرض وكذلك البحار وما فيها من عجائب.

فالكون كله - إذن - في حالة خشوعٍ تامٍ يوم الجمعة وذلك لانتظار القيامة واستشعارًا بالقدسية، والغريب أن الملائكة المعصومين من كل ذنبٍ شأنهم شأن الكون المشفق من عظمة ذي الجلال في سيد الأيام وهم المبرأون أبدًا فكيف بالبشر السابحين في بحار الآثام؟!.

وفي يوم الجمعة يبدأ تاريخ الوجود البشري في الدنيا فقد خلق الله تعالى فيه سيدنا آدم - عليه السلام -وفيه أهبطه إلى الأرض وفيه توفاه، ومن يتأمل الرابط الزمني بين الوجود والوفاة يجد أن قصة أبي البشر في الإيجاد والخلق والوفاة قد اختصرت حياة كل البشر، فكما أنه خُلِقَ فقد مات في نفس اليوم، وعلى ذلك فمن سيبقى من جميع ذريته ستنتهي بهم الحياة في هذا اليوم أيضًا.

(1) - المنذري في الترغيب والترهيب 1/ 335 وقال: فيه عبد الله بن محمد بن عقيل وبقية رواته ثقاتٌ مشهورون وأخرجه ابن ماجة في السنن 79/ 1084 باب الجمعة وقال العراقي: إسناده حسن.

(2) - غافر:57.

(3) - فصلت:11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت