{وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} [1] ، فهذا وصفٌ لهيئته - صلى الله عليه وسلم - على منبره أنه كان يخطب واقفًا ويجلس بين الخطبتين فقط.
وقد كره الصحابة رضوان الله تعالى عليهم الإتيان بهيئةٍ تنم عن المخالفة لما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حال خطبته ولو في إشارةٍ أو حركة، فعن عمارة بن ربية قال: (( رأى بشر بن مروان رافعًا يديه على المنبر فقال: قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يزيد على أن يقول بيديه هكذا وأشار بإصبعه المسبحة ) ) [2] .
ومن سمات الموعظة النابضة بالقبول الدعوي أن تكون وسطًا لا هي بالطويلة المُمِلَّةِ ولا بالقصيرة المُخِلَّة، فعن جابر بن سمرة - رضى الله عنه - قال: (( صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فكانت صلاته قصدًا وخطبته قصدًا ) ) [3] ، وعلى ذلك كانت خطبه كلها نيِّرَاتٍ تحتوي سعادة الدنيا ونعيم الآخرة، وقد سار على هذه السنة القويمة الكريمة صحابته الأطهار الذين حملوا أمانة تبليغ العلم من بعده، فعن أبي وائل قال: خطبنا عمار بن ياسرٍ فأبلغ وأوجز فقلنا: يا أبا اليقظان لو كنت نَفَّسْتَ شيئًا؟ قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنةٌ من فقهه فأطيلوا هذه الصلاة وأقصروا هذه الخطب فإن من البيان لسحرًا ) ) [4] .
إن الهدف المنشود من الموعظة يوم الجمعة هو الترغيب والترهيب والوعظ البليغ الذي يُلَينُ القلوب ويحدو النفوس إلى هُداهُا وتقواها، وكان النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - يخلط مواعظه دائمًا بعبير القرآن الكريم ودوائه الناجع في معالجة القلوب، وليس أدلَّ على ذلك مما رواه الشافعي في مسنده أن أم هشام بنت حارثة بن النعمان رضي الله تعالى عنها سمعت النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بـ"ق"وهو يخطب على المنبر يوم الجمعة وأنها لم تحفظها إلا من النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة وهو على المنبر لكثرة ما كان يقرأ بها يوم الجمعة على المنبر.
وكان النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب تغيرت معالم وجهه الشريف - صلى الله عليه وسلم - كما ورد عن جابر بن عبد الله قال: (( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش، يقول: صبحكم ومساكم. ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين ويقرن
(1) - الجمعة: من الآية 11.
(2) - ابن أبي شيبة 6/ 17.
(3) - الدارمي 1557.
(4) - الدارمي 1556 وصححه الألباني في صحيح الجامع 2100.