ويجلس حيث ينتهي به المجلس على نحو ما أخبر به الضحاك بن عثمان رحمه الله تعالى قال: أخبرني نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهم أجمعين أنه كان يتربع في مجلسه قبل أن يخرج الإمام، أي أنه يكون من بداية جلوسه في المسجد على الحالة التي يستمع فيها لخطبة الجمعة بعيدًا عن تلك الصور المحدثة في دين الله من بعض المسلمين يوم الجمعة حينما يتحلقون ويتحدثون قبل الصلاة في أمور الدنيا التي ألهتهم عن ذكر ربهم حتى في ساحات المسجد، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله تعالى عنهم أجمعين (( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الشراء والبيع في المسجد وأن تنشد فيه الضالة وأن ينشد فيه شعر ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة ) ) [1] .
فالمسلم الكيِّسُ يجانب هذه الحلقات - إن وُجدتْ - في بيت الله تعالى قبل الصلاة، بل وعليه أن يدعوَ أهلها إلى الإنفضاض منها وإن لم يستطع فعليه أن يغير دفة الحوار في المجلس إلى حصاد حسناتٍ بنشر علمٍ أو التنبيه على فضيلة أو التحذير من رذيلة ولن يعدم في هذا الباب طريقة.
فإذا قامت بعد ذلك على العلم أو الذكر أو المصالحة أو نظر مصلحة المسلمين العامة أو الخاصة فذلك كله يجمع بين صور النفع الديني والدنيوي فيكون الحاضرون قد جمعوا بذلك بين البكور واستماع العلم أو التبصر في مصلحة المسلمين .. ولكل امرئٍ ما نوى.
يجب صيانة المسجد على العموم من الروائح الكريهة والأقذار ولا سِيَّمَا يوم الجمعة الذي هو عيد المسلمين الذي يتبارى فيه المسلم مع إخوته لتقديم أجلِّ وأنصع صور التحضر والتنظف على قاعدةٍ دينيةٍ.
وإذا أكل الإنسان طعامًا له رائحةٌ كريهةٌ فإنه بذلك يؤذي كل من يقترب منه فما بالنا بهذا الجمع المتقارب جدًا حين الخطبة أو الصلاة؟ ّ.
ولهذا .. نهى النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - عن تناول أطعمةٍ لها رائحةٌ نفاذةٌ ثم الإختلاط بعد ذلك بالناس، قال - صلى الله عليه وسلم: (من أكل من هذه البقلة، الثوم"وقال مرة: من أكل البصل والثوم والكراث"فلا يقربن مسجدنا. فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم) [2] .
ومع أن الله تعالى قد أباح لنا أكل هذه النباتات ولكن على من أكلها مجانبة المسجد والبعد عن التجمعات مع المسلمين حتى تذهب رائحتها، أو عليه تنفيذ وصية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - الذي خطب الناس يوم الجمعة وكان مما قال: (( ... ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين هذا البصل والثوم، لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليُمِتْهُمَا طبخًا ) ) [3] .
(1) - سنن أبي داوود 1079.
(2) - صحيح مسلم 564 بسندٍ صحيحٍ عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه
(3) - صحيح مسلم 576 بسندٍ صحيحٍ عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه