إن المسلمين القاطنين أرض الإغتراب لو يمموا وجوههم شطر المساجد كلهم يوم الجمعة لضاقت المراكز بأهلها، لكن الواقع لا يشهد لهم بذلك، بل يشهد عليهم بأنهم بعيدون عن مواطن الرحمة منغمسون في دنياهم إلى الأذقان، وهذا واقعٌ لا يسعنا إنكاره مع كل الأسف فهذه أم المشاكل التي تحول دون تفاعل المسلمين مع المساجد في بلاد الغربة.
والواجب يفرض على الجميع التفكير والتحرك وإزالة أسباب هذه الظاهرة وليكن العمل جماعيًا صادرًا من الدعاة ومعهم الذين سعوا لتحمل المسئولية عن هذه المراكز التي يفترض انها تعمل لمصحلة الإسلام والمسلمين.
إن الذين يحضرون المساجد يوم الجمعة تكميلًا للعدد في متابعةٍ وتقليدٍ بلا تفكيرٍ ولا نيةٍ إنما يدركون من الجمعة حظ الأبدان، أما الأرواح فقد أدبرت بلا رصيدٍ ولا ريٍّ إيمانيٍّ وذلك بسبب غفلة القلب وانشغال البال بأمور الحياة التي عكرت عليه صفو الوداد مع الله تعالى وجعلته ينصرف من المسجد بيدٍ فارغةٍ ويدٍ لا شئ فيها.
وهناك من المسلمين من يجلس جلسة المسترخي المستريح فيمد رجليه ويقلب بصره في المسجد والحاضرين، مستغرقًا في النفور من أي هداية تشرح قلبًا أو تفئ عليه من مغانم الأنس فتيلًا.
إن الموعظة ركن الجمعة فكيف تسوِّل له نفسه أن يهدم روح الخطبة بالإعراض والتشاغل عنها؟!.
وهناك من جاء إلى المسجد يوم الجمعة شاهرًا حِرَابَ النقد في وجوه الخطباء فتراه يستمع ويدقق ويركز في الكلام لا ليستفيد وإنما للخرود بصيدٍ ولو حقيرٍ من مواطن الزلل المحتمل من لسان الخطيب في البلاغة او الإعراب أو لكنة النطق، وهذا الصنف - مع الأسف - يزداد أهله يومًا بعد يوم بحيث صار خطيب الجمعة عند البعض مثار اختبارٍ ومحط الرواصد من العيون والأفهام طمعًا في إبراز نقصه - ولا بد منه- فما كتب الله تعالى العصمة لأحدٍ إلا للانبياء.
وأصبحت صورة الخطباء الآن في المخيلة العامة للمدعوين - إلا قليلًا - كأنهم في مضمار سباقٍ إرضاء الأسناع وتشنيف الآذان، وهذه فاقرةٌ دعوية واجتماعية حينما ينقلب الهرم على سنامه وترتفع قاعدته إلى أعلى حينما يحتل الفقير إلى إصلاح نفسه وتنظيم كيانه منزلة المقوَّم والحَكَمِ على من يرسم له طرق السلامة ويهديه بنور الدعوة إلى الصراط المستقيم.
من الأخطاء التي قد يقع البعض فيها يوم الجمعة هو أن يخرج أحدهم من المسجد أثناء الخطبة، وقد ذم الله تعالى من يفعل ذلك وأرشد عباده إلى أن ما في المساجد من ثواب الله تعالى ساعة الخطبة يوم الجمعة خيرٌ من الدنيا وما فيها، وقد حدث ذلك أيضًا مع النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - وهو يخطب، فعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: (بينما نحن نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ أقبلت عير تحمل طعاما،