بين أصبعيه السبابة والوسطى ويقول: أما بعد. فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد. وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ثم يقول: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه من ترك مالا فلأهله ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي وعلي وفي رواية: كانت خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة. يحمد الله ويثني عليه. ثم يقول على إثر ذلك، وقد علا صوته. ثم ساق الحديث بمثله )) [1] .
ومع هذا فقد كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - أحيانًا أداءٌ تعبيريٌّ يعبر عن المعنى الذي يسوقه في خطبته للسامعين، فعن عدي بن حاتم - رضى الله عنه - قال: قام النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (( ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - النار فأعرض وأشاح. ثم قال: اتقوا النار، ثم أعرض وأشاح حتى ظننا أنه كأنما ينظر إليها. ثم قال: اتقوا النار ولو بشق تمرة. فمن لم يجد فبكلمة طيبة ) ) [2] .
إن الكلمات الباردةَ تخرج ميتة من فم قائلها وخصوصًا إذا صاحبها خلطٌ وضبابٌ وانعدام منهجيةٍ مما تموج به ساحة الخطاب الديني التي تحولت فها الخطب أحيانًا إلى مساجلاتٍ سياسيةٍ أو نظرياتٍ علميةٍ أو دروس في فرعٍ علميٍّ كدروس التاريخ ومصطلح الحديث وعلم النفس والجغرافيا والفلسفة وغير ذلك من الجهود التي تذروها رياح عدم الفهم غالبًا أو النسيان.
إن للخطبة المنبرية رسالة وأمانةٌ يجب أن يهتم بها القائمون عليها وأن يراعوا حق الله تعالى فيها ويقوموا بحقها محاولين النهوض بالمجتمع المسلم من خلال مواعظ الجمعة وتصحيح مسار أفراده في كل مجالٍ حتى لا تكون الثمرة من جهود الخطباء كتمني خطو الكسيح أو فصاحة الأبكم.
صلاة الجمعة ركعتان جهريتان تقام لهما الصلاة بعد الخطبة الثانية مباشرةً، وقد كان للنبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - قراءاتٌ معينةٌ في صلاة الجمعة، فعن أبي رافعٍ قال: استخلف مروان أبا هريرة - رضى الله عنه - على المدينة وخرج إلى مكة فصلى بنا أبو هريرة في الجمعة فقرأ بعد سورة الجمعة في الركعة الأخيرة: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ } [3] ، فأدركت أبا هريرة حين انصرف فقلت له: إنك قرأت بسورتين كان علي بن أبي طالبٍ يقرأ بهما في الكوفة، فقال أبو هريرة: إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بهما في الجمعة )) [4] .
وقد ثبت أيضًا أنه كان يصلي بالغاشية كما ورد عن النعمان بن بشيرٍ رضي الله تعالى عنهما قال: (( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ، في العيدين وفي الجمعة، بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية. قال: وإذا اجتمع العيد والجمعة، في يوم واحد، يقرأ بهما أيضا في الصلاتين ) ) [5] .
(1) - صحيح مسلم 867 بسندٍ صحيحٍ. صحيح مسلم 1016 بسندٍ صحيحٍ
(2) - صحيح مسلم 1016 بسندٍ صحيحٍ.
(3) - المنافقون: من الآية 1.
(4) - صحيح مسلم 787 بسندٍ صحيحٍ.
(5) - صحيح مسلم 878 بسندٍ صحيحٍ)، وروى الشافعي في مسنده مثل ذلك عن سمرة بن جندب رضى الله عنه.