وربما يُبَكِّرُ بعض المسلمين بغسل الجمعة في يومٍ صائفٍ فيُسْقِطَ الحكمة من تشريع الغسل واستحبابه، إذ أنه ربما يَنْخَرِطُ في عملٍ بَدَنيٍّ يسبب إفراز العرق بغزارةٍ، فماذا أفاده الإغتسال الخاصُّ بيوم الجمعة وقت الصلاة إلا إذا كان على جنابةٍ؟! فيذهب إلى صلاة الجمعة على هذا النحو من الروائح المزعجة للأنوف فيؤذي بها خلق الله من الملائكة والمسلمين في باحات المساجد.
وعلى المسلم اختيار أفضل ملابسه يوم الجمعة بدلًا من أن يذهب إلى الصلاة في بِزَّةٍ لا تناسب المقام فعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (( إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب يوم الجمعة، فرأى عليهم ثياب النمار، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ما على أحدكم إن وجد سَعَةً أن يتخذ ثوبين لجمعته سوى ثَوْبَيْ مهنته ) ) [1] .
ومن الأفضل أن يؤخر المسلم غسله وعطره وسواكه وأخذ الزينة قرب ذهابه إلى المسجد يوم الجمعة.
وبعد الإستعداد النفسي وانتقاء الزينة الحلال من الثياب والعطر والتسوك يبدأ المسلم رحلة المسير المباركة إلى المسجد يوم الجمعة في سكينةٍ وإخباتٍ لله تعالى يحدوه الأمل العريض في اكتناز الحسنات من هذه الرحلة الطاهرة وحط الأوزار والأوْبَة إلى أهله بذنبٍ مغفورٍ ومزيدٍ من طيب الأجور، لهذا؛ فليعلم حين ذهابه إلى بيت الله تعالى أنه قريبٌ جدًا من الدخول على الملك الأعلى - سبحانه - ضيفًا عليه في بيته، ومن ثم يكسبه هذا الشعور وقارًا يبدو على محيَّاه فيسابق من يلقاه بالسلام ويغض بصره ويميط الأذى عن طريق الناس ويشغل لسانه وجنانه بذكر الله تعالى حتى يصل إلى باب المسجد.
إن الشرع الحنيف يلزم المسلم بالوقار حتى ولو فاتته الركعة من الصلاة إذا كان في المسجد فعليه الحذر من مفسدات حالته الإيمانية بإحداث الجلبة وزعزعة الخشوع عند المصلين، فعن أبي هريرة - رضى الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون، عليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا ) ) [2] ، فإذا كان النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - ينبه على ذلك في المسجد حال خوف فوات الركعة فما بالنا بمن يمشي في الطريق دون خوف فوات شئ؟.
وإذا فهم المسلم من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [3] بأن المقصود هو السعي بمعني الإسراع في المشية أو الركض إلى المساجد فقد سطَّح المعنى إلى حدٍّ بعيد، لأن المقصود هنا هو الإسراع بإجابة داعي الله وترك الدنيا وشواغلها والذهاب إلى بيوت الله تعالى.
وقد تضافرت الأحاديث الشريفة على إكساب الذاهب إلى المسجد الخشوع والإخبات كونه في معية الله رب العالمين وطامعٌ في ثوابه، فعن سعيد بن المسيب - رضى الله عنه - قال: حضر رجلًا من الأنصار الموتُ فقال: إني محدثكم ما أحدثكموه إلا احتسابًا، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( إذا توضأ أحدكم
(1) - البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة 2/ 275 وقال: إسناده صحيحٌ.
(2) - متفقٌ عليه، البخاري 908 ومسلم 602 بسندٍ صحيحٍ.
(3) - الجمعة: من الآية 9.