الصفحة 8 من 48

استعنت بالله تعالى

الحمد لله حمدًا طيبًا مباركًا فيه ملء السماوات وملء الأرض وما شاء ربنا من شئٍ بعد، هو أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد وكلنا لله عبد.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده واسع المغفرة والإحسان، عظيم الشان وساطع البرهان.

وأشهد أن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله، أمير الأنبياء وخاتم المرسلين وقدوة العاملين بإحسانٍ إلى يوم الدين.

وبعد:

فمن أرفع الأيام قدرًا وأعطرها ذكرًا يوم الجمعة؛ ذلك اليوم العظيم الذي ترتفع قيمته حتى يتولى مرتبة الأسياد من الأيام، على حين أن أيامًا أُخرى - وما أكثرها - تتسفل قيمتها بآثارها حتى تتدحرج إلى منزلة العبيد والخدم.

وأظهر دلالات هذا المعنى على الناس متابعة عبدٍ من عباد الله قد أدركه البؤس وأضناه الحرمان من الطاعات وجمع فيه بقلبه الميت دقل المعاصي وردئ الذنوب وأثقل الخطايا .. إن يومه ذاك من أنكد الأيام.

ويوم آخر لصنفٍ آخر من عباد الله قد ميَّزَ يومه الأغر بالسيادة ودأب فيه صائد الحسنات على الإنتقال بين صنوف البر والطاعات بين حراثة الليل وصبر النهار ولذة الذكر وفرح المناجاة والتقلب بين أطوار الخدمة وقضاء المصالح لعباد الله.

فارقٌ شاسعٌ بين اليومين، فللأول منزلة العبيد والثاني بمنزلة سيد الأيام.

وقد نعت الله تعالى سيدنا يحيي - عليه السلام - بلفظ السيادة في كتابه الكريم حين قال: {وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [1] ، ولا غَرْو .. فلربما أن معادن الأشخاص تصب بمواهبها ومكوناتها الروحية في قالب الأيام فَتُضْفِي عليها السيادة أو تنزلق بها إلى درجة العبيد.

وتخيلُكَ للسادة الأماجد من الناس يُرْسِي في المخيِّلَةِ أشخاصًا يتميزون بالمهابة والعزة والصوت المسموع والرأي الصائب مع حفاوة الناس بهم والإصغاء لهم ويتبوأون أماكن الصدارة في قيادة المجتمع.

وتخيلك للعبيد أهل البؤس يرسي في المخيلة أشخاصًا يمثلون من القيمة العدم، إن وُجِدوا وإن فُقِدُوا، تماثلت الأحوال ولا فارق، ليس أمامهم إلا الطاعة والإمتثال والإنكسار وقلة الهمة إلا في خدمة الأسياد، وهكذا الأيام .. تتردد معانيها بين الحالين.

وأسعد الأيام وأعزها عندما يفوز المؤمن فيه باجتناب المعاصي وحصاد الحسنات إنه لعيدٌ من الأعياد.

ولكن؛ أعلى معاني السيادة في الأيام أن يجمع من الطاعات ما لا يمكن لها أن تجتمع إلا في يومٍ واحد فقط.

لأن حصاد الحسنات فيه أكثر وهو يجمع كل شعائر الإسلام وأركان الإيمان فيكون المسلم فيه مصليًّا ذاكرًا متعلمًا متصدقًا وزائرًا وقارئًا لكتاب الله عز وجل وداعيًا لمولاه، إضافةً إلى أن أحداثًا عظيمةً غيرت أحوال البشرية كلها قد حدثت في يوم الجمعة.

(1) - آل عمران: من الآية 39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت