فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا اثنا عشر رجلا، فنزلت هذه الآية: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} (الجمعة:11) [1] ، وفي رواية البيهقي بعص التفصيل، فقد اورد عن مقاتل بن حيان - رضى الله عنه - قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة ويقوم قائمًا وإن دحية الكلبي كان رجلًا تاجرًا وقبل أن يسلم إذا أقلب بتجارته إلى المدينة خرج الناس ينظرون إلى ما جاء به فيشترون منه، فقدم ذات يومٍ المدينة ووافق الجمعة والناس عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد وهو قائمٌ يخطب فاستقبل أهل دحية العير حين دخل المدينة بالطبل واللهو، فذلك اللهو الذي ذكر الله فسمع الناس في المسجد أن دحية قد نزل بتجارةٍ عند أحجار الزيت"وهو مكانٌ في سوق المدينة"وسمعوا أصواتًا فخرج عامة الناس إلى دحية ينظرون إلى تجارته وإلى اللهو وتركوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائمًا ليس معه كثير أحد، فبلغني والله أعلم انهم فعلوا ذلك ثلاث مرات، وبلغنا أن العدة التي بقيت في المسجد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عدةٌ قليلةٌ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - عند ذلك:"لولا هؤلاء - يعني الذين بقوا معه في المسجد - لقصدت إليهم الحجارة من السماء"ونزل قول الله تعالى: {قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [2] } [3] .
فمهما كانت الأسباب فعلى المسلم البقاء في المسجد لإستماع الخطبة، ولا يجوز له أن يخرج إلا لضرورة ماسَّةٍ تقدَّرُ بأسبابها.
يقول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [4] ، والآية تقتضي الأمر بترك البيع ومن باب أولى ترك الشراء وجميع المعاملات، وعلى هذا فالبيع بعد الأذان محرَّمٌ في هذا الوقت بالذات ما بين الأذان إلى انصراف الإمام.
فلو باع المسلم في هذا الوقت لتحمل أوزارًا مع أن البيع أصله حلال: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا} [5] ، لكنه محرَّمٌ ساعة صلاة الجمعة، فعن قتادة - رضى الله عنه - قال: إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة حرم البيع والشراء.
وقال الضحاك: إذا زالت الشمس من يوم الجمعة حرم البيع والتجارة حتى تقضى الصلاة، وقد كان لأهل المدينة ساعة يوم الجمعة ينادون فيها: حرم البيع وذلك عند خروج الإمام.
وفي الدر المنثور [عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: هل تعلم من شئٍ يحرم إذا أذن بالأولى؟"يعني بالأذان الأول"
(1) - صحيح البخاري 936 بسندٍ صحيحٍ.
(2) - الجمعة: من الآية 11
(3) - البيهقي 6459
(4) - الجمعة: من الآية 9
(5) - البقرة: من الآية 275.