الصفحة 11 من 48

الفصل الأول

فضلُ يوْمِ الجمْعَةِ

كما أن مكة سيدة البلاد ورمضان تاج الشهور وليلة القدر درة الليالي وأمة الإسلام خير الأمم فإن سيد الأيام هو يوم الجمعة بلا منازع.

إن التاريخ العام للبشرية يمهد ويقدم له قبل تشريعه لخير الأمم فقد تنفس الكون أول أنفاسه - بعد أن أنعم الله تعالى عليه بالوجود - في يوم الجمعة وفيه خلق الله آدم - عليه السلام - وفيه أُخْرِجَ من الجنة وتاب الله عليه فيه وسوف تلفظ الحياة الدنيا - بإذن الله - آخر أنفاسها بإبتداء أحداث القيامة فيه.

وقد احتفى العرب قبل الإسلام بهذا اليوم واختصوه بإسمٍ مشتقٍ من معدن تسميتهم لينالوا بذلك طرفًا من شرفه وقدره، فقد قال أهل اللغة:[إن العروبة إسمٌ قديمٌ كان للجاهلية، وقالوا في الجمعة: هو يوم العروبة فالظاهر أنهم غيروا أسماء الأيام السبعة بعد أن كانت تسمى: أول، أهون، جبار، دبار، مونس، عروبة، شبار.

وقال الجوهري: وكانت العرب تسمي يوم الإثنين"أهون"في أسمائهم القديمة، وهذا يشعر أنهم أحدثوا لها إسمًا وهي هذه المتعارفة كالسبت والأحد ... وقيل: إن أول من سمى الجمعة"العروبة"كعب بن لؤي جد النبي - صلى الله عليه وسلم - وبه جزم بعض أهل اللغة] [1] .

وبهذا أراد العرب قبل الإسلام اكتناز مكرماتٍ جليَّةٍ ومفاخر سنيَّةٍ ضمنوها يومًا واحدًا اصطفوه لهم من بين الأيام.

وفي كتاب الله تعالى سورةٌ كاملةٌ تحمل اسم سيد الأيام"الجمعة"جمعت بين التاريخ والأحكام وفيها إيقاظٌ للهمم باستدراك التقصير في بقية الأيام والسعي إلى مرضاة الله وشحن العقل والروح بعاطر العلم وطمأنينة الذكر.

وفي سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نجد الحديث عن الجمعة وافيًا ضافيًا يغري السائرين بمزيد الهمة ويحدوهم إلى اغتنام الفرصة ويقرع أسماع الكسالى والهاجعين والمفتونين بزهرة الحياة الدنيا أن أفيقوا ورددوا الذكر بنياط القلوب مع الذاكرين، وإلى بيوت الله تعالى كونوا سابقين، وطالعوا القرآن وأكثروا من الصلاة والتسليم على سيد الأولين والآخرين، وخذوا زينتكم الظاهرة والباطنة عند القدوم إلى أطهر ساحات الدنيا في بيوت الله رب العالمين، ولا تنسوا حظكم من الإلتجاء والدعاء في ساعة الإجابة المبشرة بصدق اليقين.

إنها بشرياتٌ طاهرةٌ وأمانٍ عذابٌ أحلى وأ غلى في قلب المؤمن الصادق من كل بهرجٍ دنيويٍّ مهما كان وزنه وزمانه، لأن الذي ذاق حلاوة سيد الأيام يتمنى مزيده ويحزن على فقده كالمفارق لأعز أهله وأحبابه لفواته

(1) - الإمام الشوكاني / نيل الأوطار شرح منتقى الأخيار من أحاديث سيد الأخيار ج 3 ص 234 ط 1/ 2005 م دار الحديث بالقاهرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت