الصفحة 21 من 48

وتحديدًا لهذه الساعات الخمس الواردة في الحديث النبوي الشريف فيرى الإمام مالكٌ رحمه الله تعالى [أنها أوقاتٌ وليست ساعات على حسابنا، فهي أجزاء ساعةٍ واحدة قبل زوال الشمس وبعده، لكن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يرى هذه الساعات ساعات النهار وتبدأ من طلوع الفجر] [1] .

ويُفَصِّلُ حجة الإسلام الإمام الغزالي ذلك بقوله: [والساعة الأولى إلى طلوع الشمس والثانية إلى ارتفاعها والثالثة إلى انبساطها حين ترمض الأقدام والخامسة بعد الضحى الأعلى إلى الزوال وفضلها قليلٌ ووقت الزوال حق الصلاة ولا فضل فيه] [2] .

ويعتمد الإمام في هذا التحديد على فهم السلف الصالح ويذكر: [وكان يرى في القرن الأول سحرًا وبعد الفجر الطرقات مملوءة من الناس يمشون في السُّرُجِ ويزدحمون بها إلى الجامع كأيام العيد حتى اندرس ذلك فقيل: أول بدعةٍ حدثت في الإسلام ترك البكور إلى الجامع، وكيف لا يستحي المسلمون من اليهود والنصارى وهم يبكرون إلى رحاب الأسواق للبيع والشراء والربح؛ فلم لا يسابقهم طلاب الآخرة؟!] [3] .

ولا شك أن صحابة النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - كانوا حريصين تمامًا على التبكير في الرواح إلى الجمع مثل الصحابي الجليل ابن مسعودٍ - رضى الله عنه -، فعن ابن علقمة قال: خرجت مع عبد الله"يعني ابن مسعود"إلى الجمعة فوجد ثلاثةً وقد سبقوه فقال: رابع أربعة؟!، وما رابع أربعةٍ ببعيد، إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( إن الناس يجلسون يوم القيامة من الله - عز وجل - على قدر رواحهم إلى الجمعات الأول ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع وما رابع أربعة ببعيد ) ) [4] .

والبكور يعين المصلي على اختيار المكان في الصف الأول والقرب من الإمام وذلك له فضله كما أسلفنا ذكر الحديث الشريف الذي يبين ذلك.

والصف الأول فضيلةٌ وزيادةٌ في الأجر فقد روى أبو الشيخ في ثواب الأعمال كما ذكره العراقي في تخريج الإحياء عن أبي هريرة - رضى الله عنه - أن النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - قال: (( ثلاثٌ لو يعلم الناس ما فيهم لركضوا ركض الإبل في طلبهن: الأذان والصف الأول والغدو إلى الجمعة ) )، فمن بكر إلى الجمعة فاز بالجلوس في الصف الأول وذلك أمرٌ يستثير همم الصالحين بالمسارعة والتبكير، ولهذا؛ كره العلماء من المصلي يوم الجمعة أن يجلس في الصفوف التالية أو المتأخرة ويترك الصف الأول مع وجود مكانٍ شاغرٍ فيه لدرجة أن الإمام الحسن يقول: [تخطوا رقاب الذين يقعدون على أبواب الجامع يوم الجمعة فإنه لا حرمة لهم] [5] برغم ما ورد من أحاديث محذرةٍ من تخطي الرقاب.

والتبكير يفيد المصلي الإستغراق في الخشوع بانقطاعه عن الدنيا كلها ولزومه بيت ربه فيصفو ذهنه وتنْجلِي قريحته لتلقِّي الموعظة، وهو مع ذلك يحصل أجر المكوث في المسجد بصحبة الملائكة الكرام.

(1) - الشيخ سيد سابق / فقه السنة ج 1 ص 262 - دار الكتاب العربي - بيروت - لبنان ط 8/ 1987 م"بتصرف".

(2) - الإمام الغزالي / إحياء علوم الدين ج 1 ص 245 - دار صادر - بيروت - ط 1/ 2001 م.

(3) - السابق ص 246.

(4) - المنذري في الترغيب 1/ 354 وحسنه عن عبد الله بن مسعود، والدمياطي في المتجر الرابح 86 عن ابن مسعودٍ أيضًا وقال: إسناده حسن، وضعفه الألباني في ضعيف ابن ماجة 205 عن ابن علقمة.

(5) - الإمام الغزالي / إحياء علوم الدين ج 1 ص 246"سابق".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت