عليها «الأسئلة النهائيّة» [1] أو ما أطلق عليه الفلاسفة الأوائل «العقدة الكبرى» ؛ ذلك لأن الإجابات الشافية عن هذه الأسئلة - هي التي تحرر وجدان الإنسان وعقله ونفسه من سائر أنواع الحيرة والضغوط التي تعيق حركته، وتقيَّد إرادته، وتشل فاعليَّته وتجعله تائها في غابات متشابكة من الأفكار و الرؤى، و المعضلات و التفسيرات.
كما أنَّ من شأن العقيدة الفاعلة أن تقدم حلولًا، لا أن تفرز مشكلات. ولقد كان هذا شأن القرآن حين قدم للبشريَّة الإيمان ودعاها إلى التوحيد. لقد استعمل القرآن المجيد لتأييد دعواه تلك مجموعة من الأدلة التي يفهمها الناس على اختلاف مستوياتهم في الفهم والإدراك و الثقافة و الخبرة و التجربة وهي أدلة تستفز سائر قوى الوعي و الإدراك في الإنسان وفي مقدمتها «دليل الخلق» ثم «دليل العناية» ثم «دليل الإبداع» و «دليل التمانع» وما إلى ذلك من أدلة تزخر آيات الكتاب الكريم بها. وكان القرآن يقدم دعاواه، ويقدم الأدلة على صدقها، ويتحدى المخاطبين أن يجدوا ثغرة ينفذون منها إلى أي من هذه الأدلة بمعاول هدم، أو معارضة، أو ممانعة. فإذا فرغ من ذلك، وجرد معارضيه من أسلحتهم. ذكر شبهاتهم وحرَّرها بأقوى ما عرضت به من أساليب، ثم كر عليها لتفنيدها بأساليب لا تبقى لها أثرًا يذكر؛ بل إن طريقة عرضها، ثم تفنيدها تصب على الدوام في صالح القرآن المجيد، لأن المعارض ينبهر بطريقة القرآن بالإحاطة بكل ما صدر عنه، أو حاك في نفسه، أو زوَّره في خاطره، ويأتي جواب القرآن بأساليبه المتنوعة ليجد المعارض نفسه في حالة اندهاش تام، بحيث لا يملك إلا الانقطاع أو الاستسلام أو الانسحاب بهدوء مذمومًا مخذولًا. فإذا حاول بعد ذلك أن يداري هزيمته بشكل أو بآخر فإنه لن يجد إلا الشغب الصريح الذي يتحول إلى سلاح ضده لا عليه.
وقد استعرضنا التوحيد حقيقته وتجلياته المختلفة باختصار في كتابنا الوجيز «التوحيد» باعتباره أعلى القيم القرآنيَّة العليا الحاكمة وأساسها. وقد طبع عدة مرات. فلا نطيل في هذه التفاصيل فلما انتهى جيل التلقي، وبدأت نحل وملل تظهر بأسماء لم يألفها القوم بعدُ ظنّوها
(1) تطلق"الأسئلة النهائيّة"على مجموعة من التساؤلات الإنسانية- التي تجيب العقيدة عليها، وهي من أنا من أين جئت، وإلى أين أنا ذاهب وماذا بعد؟! وهي أسئلة ناجمة عن قلق تدفع الفطرة الإنسان إليه ليبحث ويأخذ طريقه إلى معرفة خالقه سبحانه، وهي ذاتها التي كان الفلاسفة الأوائل يطلقون عليها"العقدة الكبرى".