الصفحة 46 من 67

نحلًا جديدة، تطرح شبهات محدثة، وما هي بمحدثة ولكن هذا ما ظنّوه. ولو تدبَّر الناس القرآن الكريم لوجدوه قد ناقش ذلك - كله - وفنَّده، وقال في سائر تلك النحل بما فيها «النحل المعاصرة» كلمته، وحسم أمرها.

ولكن القوم ظنوا أنها لحداثتها تحتاج إلى أساليب وفنون أخرى لمناقشتها وتفنيدها وحماية العقائد الإسلامية من أضرارها وأخطارها. فتطور «علم التوحيد القرآنيّ» إلى «علم الكلام» وصار يعنى بالمنطق اليوناني ووسائله لبناء التصورات والتصديقات، وطرائقه في إقامة البراهين ويعنى بالفلسفة اليونانية كذلك بمدارسها المختلفة ليواجه بها تلك الشبهات فآل «علم التوحيد» إلى «علم كلام» مهمته إيراد الشبهات المختلفة ومناقشتها بأساليب الفلسفة وطرائق المنطق باعتبار أن الخصم لا يؤمن بالقرآن فلا يمكن إقامة الحجة على الخصم بما لا يؤمن به، ولا يلتزم بمقولاته. ولم يلتفت جل علماء الكلام إلى أن الفلسفة اليونانية وغيرها من الفلسفات لم تحسم أية قضية من القضايا المثارة. وبقيت تلك المسائل في دائرة الثنائيَّات المتصارعة حتى يومنا هذا.

كما أن فريقًا منهم ظنوا أن الجدل في «قضايا الغيب وعالم الأمر» التي تشكل جوهر القضايا الكلامية قد لا يختلف كثيرًا عن الجدل في القضايا الفقهية فلم يجدوا حرجًا في استعمال الأساليب ذاتها في تلك القضايا الخطيرة التي حسمها القرآن كلها وبلغ بها الغاية، وأوصل المهتدين بها إلى الثلج وبرد اليقين. ولعل هؤلاء ومن إليهم - هم الذين عناهم الإمام الشافعي - يرحمه الله - بقوله: «لا تتجادلوا في الكلام؛ فإنّكم إن تجادلتم في الكلام كفّر بعضكم بعضًا، فإن كنتم لا بد فاعلين فتجادلوا في الفقه فإن قصارى ما تبلغونه أن يخطئ بعضكم بعضًا» .

لكن الكثيرين قد استمرؤوا ذلك الجدل، فإذا بكل تلك اليقينَّيات القرآنية تصبح مادة جديدة للجدل، دون استثناء، وتحولت موضوعات الفلسفة اليونانية و المقولات الإنسانيّة المندثرة إلى هذا العلم الجديد، وفي مقدمتها ما يتعلق بالذات الإلّهية، و الصفات العليّة، وحقائق النبوات و الجبر و القدر، ومصادر الفعل الإنسانيّ، بل وحقيقة الفعل الإنساني، وما إذا كان فاعله الحقيقي الله، و الإنسان مجرد مظهر وشكل يقع الفعل منه ظاهرًا، في حين أنه لا فعل له في الحقيقة و الواقع أو أنّه هو المنشئ لفعله؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت