الصفحة 47 من 67

كما اختلفوا في الأسباب و العلل أهي أسباب على سبيل الحقيقة أم هي مجرد أشكال ظاهرة لا تأثير لها و المؤثّر الحقيقي يختفي وراءها، وقعوا في الخلط بين المشيئة الإلّهية و المشيئة الإنسانيّة، وبين الإرادة الإلهّية و الإرادة الإنسانية. وهكذا فكك علم الكلام الأمّة التي بناها القرآن المجيد ليجعل منها فرقًا وشيعًا وأحزابًا، واستعملت الأحاديث الموضوعة والضعيفة مثل حديث «افتراق الأمة» للتأصيل لتلك الأحوال الشاذة، فروت الفرق - كلها - حديث افتراق الأمة وتداولته حتى منحته شهرة لا يستحقها، لأن كل فرقة وجدت فيه ضالتها لتستدل به على أنها الفرقة الناجية و الأمة كلها هالكة، و الحديث ضعيف لا يمكن العثور له على سند صحيح، ولكن المنشغلين بهذه الأمور أقاموا على ذلك الحديث (الذي لا يصمد له متن ولا سند أمام معاول النقد العلمي الدقيق ووفق قواعد المحدثين أنفسهم) أقاموا علمًا قائمًا بذاته سموه «علم الملل والنحل» مازالت الكليَّات و الجامعات المعنيَّة بالعلوم و المعارف النقليّة تقيم له الأقسام، وتمنح دارسيه الذين يتلقونه بالقبول كمن سبقهم شهادات الماجستير والدكتوراة والأستاذيّة وألقاب الحجة -حجة الإسلام، وآية الله و و وكل قضايا «الكلام والملل والنحل» يقتطع المتناحرون فيها آيات من كتاب الله - تعالى - عن سياقاتها، ويبترونها من نظمها ووحدتها ونسقها ليجعلوا منها موضع شاهد فقط لما يذهبون إليه، ولا يعدم كل فريق وسيلة لحملها على ما يريد، وتفسيرها بما يجعلها شاهدًا ملائمًا لمذهبه، مؤيَّدًا لوجهة نظره، وما أنزل القرآن العظيم ليتخذ شواهد لمقولات القائلين، ولذلك شاعت تلك المقولة الخطيرة ورددها المرددون- وهي: «أن القرآن حمال أوجه» ونسبوا ذلك إلى الإمام علي - كرم الله وجهه ورضي عنه- وما كان لمثله أن يقول ذلك،، وعنه روي حديث «القرآن باعتباره المخرج من الفتن» كما أخرجه الترمذي وغيره. كما أشيعت مقولة أخرى، هي: «أن النصوص متناهية والوقائع غير متناهية» [1] ليسوغوا لأنفسهم وضع مرجعيات أخرى إلى جانب القرآن المجيد. ففي مجال الكلام أعطوا للمنطق سلطة غير عادية حتى سماه الغزالي «معيار العلم» و «القسطاس المستقيم» ، وصرح بأنَّ من لا يتقنه لا يعتد بعلومه. والكتابان مطبوعان متداولان.

(1) عبارة شاعت في كتب الأصول، خاصّة في مباحث الاستدلال"لحجيَّة القياس"وردّدها بعض الكلاميّين كذلك. وعلماء الفرق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت