بل كيف ينكر عبدٌ أمرًا وهو مكثر من الوقوع فيه؟!.
وقد تدبرت الافتراق بين المنهجين مليًا فرأيته يدور على تسعة مباحث:
وسيأتي بيان هذه النقاط والتمثيل لها من غير توسع ممل ولا اختصار مخل، إن شاء الله.
وبالجملة: فالمقارن بين المتقدمين والمتأخرين يجد فرقًا كبيرًا بينهم في المصطلحات، والمتمعن في القواعد والضوابط يلمس بونًا شاسعًا في التطبيق بين الفريقين، والناظر في الأحكام على الأحاديث يجد اختلافًا كثيرًا، وهذا أظهر ما يرد به على من نفى الاختلاف بين المتقدمين والمتأخرين، ولا ينكر هذا كله إلا مُمَاحِك معاند متعصب كسول.
أُصُولُ الافْتِرَاقِ بَيْنَ الْمَنْهَجَيْنِ
قد يقال: إن المتأخرين لم يأتوا بمصطلحات حديثية من عندهم، بل جمعوا ورتبوا ما تركه الأقدمون، كما تقدم.
ونحن نقول: الحق أن المتأخرين أخطئوا في كثير مما فهموه منهم، ومن ثم قرروه عنهم، والمتقدمون مؤصلون لقواعد هذا العلم، والمتأخرون مستنبطون لكلام المتقدمين، وفرق بين من يؤصل وبين من يستنبط مراد من يؤصل.
قال ابن دقيق بعد أن ذكر تعريف المتأخرين للصحيح: وزاد أصحاب الحديث (أن لا يكون شاذًا ولا معللًا) . وفي هذين الشرطين نظر على مقتضى نظر الفقهاء، فإن كثيرًا من العلل التي يعلل بها المحدثون الحديث لا تجري على أصول الفقهاء. «الاقتراح» ص 152.
والمنكر عند المتأخرين مخالفة الضعيف للثقة، وهو عند المتقدمين على ستة معانٍ، أظهرها تفرد الثقة غير المكثر مطلقًا.
والمعضل عند المتأخرين ما سقط من إسناده راويان على التوالي، وهو عند جمع من المتقدمين نوع من الموضوع.
والحسن عند المتأخرين بمعنى المقبول، وهو عند المتقدمين في الغالب يعنون به الضعيف.