فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 77

إِحْسَانًا) لأن الله هو السبب الحقيقي لوجود الإنسان، والأبوان هما السبب الظاهري لوجوده، لكن حق الأم أعظم من حق الأب كثيرًا، لكثرة أفضالها على ولدها، وكثرة ما تحملته من المتاعب الجسمية والنفسية أثناء حملها به، ووضعها وإرضاعها له، وخدمتها وشفقتها عليه كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) لهذا كرر النبي - صلى الله عليه وسلم - الوصية بها ثلاث مرات، وذكر حق الأب مرة واحدة، لأن الجزاء من جنس العمل، فالتثليث في مقابلة ثلاثة أشياء مختصة بالأم، وهي تعب الحمل، والوضع، والرضاع. [1]

في هذا الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالقسط، وندب إلى العدل، فإن الآدمي تتكلف له أمه من حملها إياه في حشاها حالًا يضرب بها الأمثال في العمرة لمكان الذي تشفق عليه، ثم إنه يأخذ من غذائها الذي يتجاوز حلقها، فتغذيه من دمها ولحمها، فإذا وضعته كان غذاؤه من ثدييها؛ بأن أحال الله ذلك الدم الذي كانت تغذوه به في حشاها إلى ثدييها، تغذيه منهما لبنًا خالصًا سائغًا، ثم إنها جعلت فخذاها له مهادًا، ولبنها زادًا، وحملته وهنًا على وهن، وكرهًا على كره، إلا أنها على ما قاست منه في كل ذلك لم يشنه ذلك عندها، ولا أثر عظم أذاه في نفسها، بحيث يحملها ذلك على أن تشنأه أو تبغضه، بل كانت تتجرع أذاه محبة له، وتصبر على تجرمه وتعنته (115/ ب) مستلذة لطول صحبته، تود أن لو فدته بنفسها، فهذا هو الخوف بالغ، وإن كان قد جبل عليه طبعها، فإنه قد وصل إلى

(1) - منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (5/ 240)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت