عن جده قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب قائمًا وقاعدًا.
وقوله: (عن جده) أي: جدَّ الأب، فالجد هو: عبد الله بن عمرو، والمكثر في الأحاديث , الصحابي ابن الصحابي ابن الصحابية، الأفضل من أبيه، والأكثر منه تلقيًا وأخذًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، هذا على جعل الضمير في قوله عن جده للأب، فإن جعل لعمرو احتمل أن يكون المراد جده الأدنى الحقيقي وهو: محمد، فيكون حديثه مرسلا لأنه حذف منه الصحابي، فإن محمدا تابعي، وأن يكون المراد جده الأعلى المجازي وهو عبد الله فيكون متصلا، ولاحتمال الإرسال في ذلك السند ذهب جمع منهم الشيخ أبو إسحاق الشيرازي إلى ضعف"عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده"، لكن في تهذيب النووي: الأصح الاحتجاج به لقرائن أثبتت عند أكثر المتقدمين والمتأخرين سماعه من جد أبيه عبد الله، ويكفي احتجاج البخاري به، فإنه خرج له في «القدر» (1) ..
قوله: (قال:) أي: جده المذكور. وقوله: (رأيت) أي: أبصرت.
فقوله: (رسول الله) مفعول، وجملة (يشرب) : حال.
وقوله: (قائما وقاعدا) حالان من فاعل يشرب، والمراد: أنه رآه مرة يشرب قائما، ورآه مرة يشرب قاعدا، لا أنه رآه مرة واحدة يشرب قائما وقاعدا، كما قد يوهمه ظاهر العبارة، فيكون قد جمع في مرة واحدة بين القيام والقعود، وهو خلاف المراد.
واعلم أن الانسان له ثمانية أحوال: قائم، قاعد، ماش، مستند، راكع، ساجد، متکئ، مضطجع، وكلها وإن أمكن الشرب فيها لكن أهنؤها وأكثرها استعمالا القعود، ويليه القيام، ففعله صلى الله عليه وسلم قاعدا غالبا لأنه أسلم، وقائما نادرا لبيان الجواز وعدم الحرج، وحيث كان الغالب من فعله
(1) كذا، وهو تحريف صوابه: القراءة، أي: جزء القراءة خلف الإمام. ... =