فهرس الكتاب
قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان، دائم الفكرة،
= ففيه اكتفاء.
قوله: (متواصل الأحزان) فلا يمضي حزن إلا ويعقبه حزن، والتواصل يفيد معنى الديمومة، وقد صرح بها في المعطوف، والحزن صفة الأنبياء قديما إذ هو حالة خوف، وهو على قدر المعرفة كما قال بعضهم:
على قدر علم المرء يعظم خوفه
فلا عالم إلا من الله خائف
وإنما كان صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان، لمزيد تفکره واستغراقه في شهود جلال ربه. قال ابن القيم: كيف يكون متواصل الأحزان، وقد صانه الله عن الحزن في الدنيا وأسبابها، ونهاه عن الحزن على الكفار، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فمن أين يأتيه الحزن وقد استعاذ من الهم والحزن؟! فلم يكن حزينا بل كان دائم البشر ضحوك السن، فحديث كونه متواصل الأحزان: غير ثابت، وفي إسناده من لا يعرف.
وقد لحظ ذلك قبله شيخه ابن تيمية، فأورده ثم رده: بأنه ليس المراد بالحزن هنا التألم على فوت مطلوب، أو حصول مکروه، فإنه قد نهى عن ذلك، ولم يكن من حاله، بل المراد: الاهتمام والتيقظ لما يستقبله من الأمور، وما قررناه أولا أوجه، فتواصل أحزانه في شهوده لجلال ربه، وإنما كانت كثرة تبسمه في وجوه الناس تأليفا واستعطافا، ولذلك اشتهر عند أهل الطريق أن العارف: هش بش، والهش: المتبسم، يقال: هش الرجل هشاشة إذا تبسم، والبش: طلق الوجه، من البشاشة، وهي: طلاقة الوجه.
قوله: (دائم الفكرة) أي: لأنه متكفل بمصالح خلائق لا يحصيها إلا الخالق، والفكرة اسم من الافتکار کالعبرة من الاعتبار، والفكر لغة: تردد القلب بالنظر والتدبر لطلب المعاني، واصطلاحا: ترتيب أمور معلومة، =