فهرس الكتاب
قالوا: يا رسول الله إنك تُداعِبُنا؟! فقال: نعم، غير أني لا أقول إلا حقا».
وقوله: (قالوا) أي: الصحابة.
وقوله: (إنك تداعبنا) - بدال وعين مهملتين - أي: تمازحنا، من المداعبة وهي الممازحة، والدعابة بالضم: اسم لما يستملح من ذلك.
وقوله: (فقال: نعم، غير أني لا أقول إلا حقا») أي: مطابقة للواقع، وفي نسخة: قال: إني الخ.
والتحقيق - ما قاله العصام: أن قصدهم السؤال عن المداعبة، هل هي من خصائصه؟ فتكون ممنوعة منا لورود النهي عنها في قوله:
لا ثمار أخاك ولا مازحه، ولا تعذه موعدا فتخلفه، أو ليست من خصائصه فلا تكون ممنوعة منا، فأجاب: بأنه يداعب لكن لا يقول إلا حقا، فمن حافظ على قول الحق مع بقاء المهابة والوقار فله المداعبة، بل هي سنة كما مر، وقد تقدم عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم كان يمزح ويقول: «إن الله لا يؤاخذ المَزّاح الصادق في مزاحه، ومن لم يحافظ على ذلك فليس له المداعبة، وعلى ذلك يحمل النهي الوارد. وقيل لسفيان بن عيينة: المزاح محنة، فقال: بل سنة، لكن لمن يحسنه ويضعه مواضعه، وأما ما قاله الطيبي: إن قصدهم الإنكار فكأنهم قالوا: لا ينبغي لمثلك المداعبة لمكانتك عند الله تعالي، فرد عليهم بقوله: نعم الخ: فهو مردود بأنه يبعد أن يخطر ببال الصحابة رضي الله عنهم الإنكار والاعتراض عليه.
وبالجملة فكان يمزح على ندور، ولا يقول إلا حقا لمصلحة مؤانسة أو تألف، فإنهم كانوا يهابونه فيمازحهم ليخفف عنهم مما ألقي عليهم من مهابتهم منه، لا سيما عقب التجليات.