فهرس الكتاب

الصفحة 165 من 189

الحياة، ولن تعرف حقيقة الحياة، ما لم تعرف حقيقة الروح وهي نفسك، وحقيقتك وهي أخفى الأشياء عنك، ولا تطمع في أن تعرف ربك قبل أن تعرف نفسك، وأعني بنفسك روحك التي هي خاصية الأمر المضافة إلى الله تعالى في قوله: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء:85] وفي قوله: ونَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [الحجر:29، ص:72] دون الروح الجسماني اللطيف، الذي هو حامل قوة الحسّ والحركة، التي تنبعث من القلب، وتنتشر في جملة البدن، في تجاويف العروق الضوارب، فيفيض منها نور حس البصر على العين، ونور السمع على الأذن، وكذا سائر القوى والحواس، كما يفيض من السراج نور على حيطان البيت إذا أدير في جوانبه؛ فإن هذه الروح تشارك البهائم فيها وتنمحق بالموت، لأنه بخار اعتدل نضجه عند اعتدال مزاج الأخلاط. فإذا انحل المزاج بطل كما يبطل النور الفائض من السراج عند انطفاء السراج؛ بانقطاع الدهن عنه، أو بالنفخ فيه. وبانقطاع الغذاء عن الحيوان تفسد هذه الروح؛ لأن الغذاء له كالدهن للسراج، والقتل له كالنفخ في السراج. وهذه هي الروح التي يتصرف في تعديلها وتقويتها علم الطب، ولا تحمل هذه الروح المعرفة والأمانة، بل الحمّال للأمانة الروح الخاصة للإنسان، ونعني بالأمانة تقلد عهدة التكليف، بأن يتعرض لخطر الثواب والعقاب بالطاعة والمعصية. وهذه الروح لا تموت ولا تفنى، بل تبقى بعد الموت، إما في نعيم وسعادة، أو جحيم وشقاوة، فإنه محلّ المعرفة. والتراب لا يأكل محل الإيمان والمعرفة أصلا كما نطقت به الأخبار، وشهدت له شواهد الاستبصار. ولم يأذن الشرع في ذكر تحقيق صفته، إذ لا يحتمله إلا الراسخون في العلم؛ وكيف يذكر، وله من عجائب الأوصاف ما لم يحتمله أكثر عقول الخلق في حق الله تعالى! فلا تطمع في ذكر حقيقته، وانتظر تلويحا يسيرا في ذكر صفته بعد الموت.

هذه الروح لا تفنى البتة، ولا تموت، بل تتبدل بالموت حالها فقط، ويتبدل منزلها، فتترقى من منزل إلى منزل. والقبر في حقها إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران، إذ لم يكن لها مع البدن علاقة سوى استعمالها البدن، واقتناصها أوائل المعرفة به بواسطة شبكة الحواس. فالبدن آلتها ومركبها وشبكتها، وبطلان الآلة والمركب والشبكة لا توجب بطلان الصائد؛ نعم، إن بطلت الشبكة بعد الفراغ من الصيد فبطلانه غنيمة، إذ يتخلص من ثقله وحمله، ولذلك قال عليه السلام: «الموت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت