فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 189

تحفة المؤمن»؛ وإن بطلت الشبكة قبل الصيد عظمت فيه الحسرة والندامة والألم، فلذلك يقول المقصّر: {رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ} [المؤمنون:99، 100] . بل إن كان ألف الشبكة وأحبها وتعلق قلبه بها، وحسّن صورتها وصنعتها، وما يتعلق بها، كان له من العذاب ضعفان: أحدهما: حسرة فوات الصيد الذي لا يقتنص إلا بشبكة البدن، والثاني: زوال الشبكة مع تعلق القلب بها وإلفه لها. وهذا مبدأ من مبادي معرفة عذاب القبر، إن استقصيته تحققته قطعا.

لعلك تشتهي الاستقصاء المفضي إلى التحقيق؛ فاعلم أن هذا الكتاب لا يحتمله، فاقنع منه بأنموذج يسير، وافهم أن معنى الموت زمانة (1) البدن. وأنت تعرف أن زمانة اليد خروجها عن طاعتك مع وجود شخصها ببطلان القوة التي بواسطتها تستعمل اليد. فافهم أن الموت زمانة مطلقة في جميع الأعضاء ببطلان قواها، فيسلب الموت منك يدك ورجلك وعينك وسائر حواسك، وأنت باق، أعني حقيقتك التي أنت بها أنت؛ فإنك الآن الإنسان الذي كنت في الصّبا، ولعله لم يبق فيك من تلك الأجسام شيء، بل انحل كلّها وحصل بالغذاء بدلها، وأنت أنت، وجسدك غير ذلك الجسد. فإن كان لك معشوق تفتقر فيه إلى حواسك، عظم عذابك بفراق معشوقك. وجميع ملاذ الدنيا معشوق، ولا تنال إلا بالحواس، ولا فرق في عذاب العاشق بين أن يحجب عنه معشوقه، وبين أن يفقأ عينه، أو يسلب هو عنه بأن يحمل إلى موضع حتى لا يراه، فإن ألمه من عدم الرؤية. ومن أحب أهله وماله وعقاره وفرسه وجاريته وثيابه يألم بفراقها، سواء سلبت هذه الأشياء عنه، أو سلب هو عنها، بأن حمل إلى موضع آخر، وحيل بينه وبينها. فالموت يسلبك هذه الأشياء. ويحول بينك وبينها، فيكون عذابك بقدر عشقك لها. والموت يخلي بينك وبين الله تعالى، ويقطع عنك هذه الحواس الشاغلة المشوّشة، فتكون لذّتك في القدوم على الله تعالى بقدر حبك له وأنسك بذكره؛ ولأجل هذا نبّهك وقال الله تعالى: «أنا بدّك (2) اللازم فالزم بدّك» . وأجمع العبارات عن نعيم

(1) زمانة: عاهة.

(2) البدّ: النصيب، ومن معانيها العوض، والبدّ بكسر الباء النظير والمثيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت