فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 189

وملاحظة الوجه خاصة. وهم أبدا في دار البقاء، إذ ملحوظهم على الوجه الباقي، وما عدا ذلك فإلى الفناء مصيره؛ أعني السماء والأرض، وما يتعلق بهما من المحسوسات والمتخيلات والموهومات؛ وهو معنى قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ويَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ والْإِكْرامِ} [الرحمن:26،27] . وهذه العوالم منازل سفر الإنسانية، يترقى من حضيض درجة البهائم إلى يفاع رتبة الملائكة؛ ثم يترقّى من رتبتهم إلى رتبة العشّاق منهم، وهم العاكفون على ملاحظة جمال الوجه، يسبحون للوجه ويقدسونه بالليل والنهار لا يفترون.

فانظر الآن إلى خسّة الإنسان وشرفه، وإلى بعد مراقيه في معارجه، وإلى انحطاط درجاته في تسفّله. وكلّ الآدميين مردودون إلى أسفل السّافلين، ثم الذين آمنوا وعملوا الصالحات يترقون منها فلهم أجر غير ممنون، وهو جمال الوجه، وبهذا يفهم معنى قوله تعالى: {إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ والْأَرْضِ والْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وأَشْفَقْنَ مِنْها وحَمَلَهَا الْإِنْسانُ ... } [الأحزاب:72] الآية. لأن معنى الأمانة التعرض للعهدة والخطرة، ولا خطر على سكان الأرض، وهم البهائم، إذ ليس لهم إمكان الترقّي من المنزل الثالث؛ ولا خطر على الملائكة، إذ ليس لهم خوف الانحطاط إلى حضيض عالم البهائم.

وانظر إلى الإنسان وعجائب عوالمه كيف يعرج إلى السماء العلوي رقيّا، ويهوى إلى أرض الحقارة هويّا، متقلدا هذا الخطر العظيم الذي لم يتقلده في الوجود غيره. فيا مسكين! كيف تهدّدني بالعاقبة، وتخوّفني مجاوزة الجمهور ومخالفة المشهور، وبذلك فرحي وسروري! إن الذين يكرهون مني ذلك الذي يشتهيه قلبي. فاطو طومار (1) الهذيان ولا تقعقعني بعد هذا بالشّنان (2) .

(1) طومار: صحيفة.

(2) في القاموس وما يقعقع له بالشنان بفتح القافين يضرب لمن لا يتضع لحوادث الدهر ولا يروعه ما لا حقيقة له. والقعاقع تتابع أصوات الرعد. والشنان كسحاب لغة في الشنآن وكغراب الماء البارد وككتاب واد بالشام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت