فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 189

وأما مطالبتك إياي بتفصيل عذاب الآخرة، وذكر أصنافه، فلا تطمع بالتفصيل، فذلك داعية إلى الملال والتطويل، واقنع بذكر الأصناف؛ فقد ظهر لي بالمشاهدة ظهورا أوضح من العيان، أن أصناف عذاب الآخرة ثلاثة: أعني الروحاني منها حرمة المشتهيات، وخزي خجلة المفضحات، وحسرة فوات المحبوبات. فهذه ثلاثة أنواع من النيران الروحانية يتعاقب على روح من آثر الحياة الدنيا إلى أن ينتهي إلى مقامات النار الجسمانية، فإن ذلك يكون في آخر الأمر، فخذ الآن شرح هذه الأوصاف.

الصنف الأول: حرقة فرقة المشتهيات، فصورته المستعارة من عالم الحس والتخيل، التنين الذي وصفه الشرع، وعدد رءوسه وهي بعدد الشهوات، ورذائل الصفات تلدغ صميم الفؤاد لدغا مؤلما، وإن كان البدن بمعزل عنه. فقدّر في عالمك هذا ملكا مستوليا على جميع الأرض، متمكنا من جميع الملاذّ، متمتعا بها، مستهترا بالوجوه الحسان، متهالكا عليها، مشعوفا بالإمارة واستعباد الخلق بالطاعة، مطاعا فيهم، غافصه (1) عدوه واسترقه واستعمله على ملأ من رعيته في تعهد الكلاب، وصار يتمتع بنعمه ويتمتع بأهله وجواريه بين يديه، ويتصرف في خزائنه وذخائر أمواله، فيفرقها على أعدائه ومعانديه. وانظر الآن هل ترى على قلبه تنّينا ذا رءوس كثيرة، تلدغ صميم فؤاده وبدنه بمعزل عنه، وهو يريد أن يبتلى بدنه بأمراض وآلام ليتخلص منه! فتوهم هذا، فربما تشتم به قليلا من رائحة الحطمة (2) التي فيها نار الله الموقدة التي لا تطلع إلا على الأفئدة، أعدت لمن جمع مالا وعدده يحسب أن ماله أخلده.

واعلم أن عذاب كل ميت بقدر رءوس هذا التنين، وعدد الرءوس بقدر المشتهيات، فلهذا من كان أفقر وتمتعه في الدنيا أقل، كان العذاب عليه أخف، ومن لا علاقة له مع الدنيا أصلا فلا عقاب عليه أصلا.

الصنف الثاني: خزي خجلة المفضحات؛ فقدّر رجلا خسيسا رذيلا فقيرا عاجزا، قرّبه ملك من الملوك ورفعه وقوّاه وخلع عليه، وسلم إليه نيابة ملكه، ومكنه من

(1) قوله غافصه أي فاجأه وأخذه على غرّة.

(2) الحطمة: النار الشديدة لأنها تحطم ما يلقى فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت