فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 189

دخول حريمه وجملة خزائنه اعتمادا على أمانته. فلما عظمت عليه النعمة، طغى وبغى، وصار يخون في خزانته، ويفجر بأهل الملك وبناته وسريّاته، وهو في جميع ذلك يظهر الأمانة للملك، ويعتقد أنه غير مطلع على خيانته. فبينما هو في غمرة فجوره وخيانته، إذ لاحظ روزنة (1) فرأى فيها الملك مطّلعا عليه منها، وعلم أن الملك كان يطلع عليه كل يوم وليلة، ولكنه كان يغض عنه ويمهله حتى يزداد خبثا وفجورا، ويزداد استحقاقا للنكال ليصب عليه في الآخرة أنواع العذاب صبّا. فانظر الآن إلى قلبه كيف يحترق بنار الخزي والخجلة، وبدنه بمعزل منه، وكيف يود أن يعذب بدنه بكل عذاب وينكتم خزيه. فكذلك أنت تتعاطى في الدنيا أعمالا هي مشتهياتك، ولتلك الأعمال أرواح وحقائق خبيثة قبيحة، وأنت جاهل بها معتقد حسنها؛ فينكشف لك في الآخرة حقائقها في صورها القبيحة، فتختزي وتخجل خجلة تؤثر عليها آلاما بدنية.

فإن قلت كيف ينكشف إليّ أرواحها وحقائقها؟

فاعلم أن ذلك لا تفهمه إلا بمثال؛ فمن جملته مثلا أن يؤذّن المؤذّن في رمضان قبل الصبح، فيرى في المنام أن بيده خاتما يختم به أفواه الرجال وفروج النساء، فيقول له ابن سيرين: هذا رأيته لأذانك قبل الصبح. فتأمل الآن أنه لما بعد بالنوم قليلا عن عالم الحس الجسماني، انكشف له روح عمله. لكن لما بعد في عالم التخيل - لأن النائم لا يزول تخيله - غشاه الخيال بمثال متخيل، وهو الخاتم والختم، ولكنه مثال أدل على روح العمل من نفس الأذان، لأن عالم المنام أقرب إلى عالم الآخرة، فالتلبيس فيه أضعف قليلا وليس يخلو عن تلبيس، ولأجله يحتاج إلى التعبير.

ولو قال قائل لهذا المؤذن: أَما تستحي أن تختم أفواه الرجال وفروج النساء؟ لقال: معاذ الله أن أفعل هذا، فلأن أقدّم ويضرب عنقي أحب إليّ من أن أفعل ذلك. فهو ينكره، لأنه يجهله، مع أنه فعله، لأن روحه قاصرة عن إدراك أرواح الأشياء. وكذلك لو أكلت لحما طيبا على اعتقاد أنه لحم طير، فقال قائل: أَما تستحي أن تأكل لحم أخيك الميت فلان؟ لقلت: معاذ الله أن أفعل ذلك، ولأن أموت جوعا أهون عليّ من ذلك، فنظرت فإذا هو لحم أخيك الميت قد طبخ وقدّم إليك ولبّس عليك. فانظر كيف تختزي

(1) روزنة: الكوة، الطاقة، والكلمة من الفارسية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت